سادسًا: لقد اشتملت الأحرف السبعة على أكثر لغات العرب جميعها على ما بينها من فوارق. وبذلك حصل تذليل النطق بالقرآن للعرب جميعًا. ولو فُرض أن هناك بعض الفارق في اللغات لم تشملها الحروف السبعة، كان قدرًا ضئيلًا يمكن التغلب عليه بجهد يسير، أو كان من مستقبح اللغات التي أبى فصحاء العرب النطق بها.
على أن هذه الأحرف السبعة المنزلة لم يكن بينها من تضاد أو تناف، إنما كانت في الأمر الواحد الذي لا يختلف في حلال أو حرام.
سابعًا: لقد حققت الأحرف السبعة للعرب حِكمًا عظيمة وأغراضًا هامة. إذْ ذَللت نطق أَلسنتهم جميعًا بالقرآن، فحفظوه ونشروه، ومن وراء ذلك تدارسوه وفهموه. كما يسرت على المسلمين حفظه وتناقله فيما بينهم. وذلك مما ساعد على نجاح الدعوة الإسلامية واستقرارها. كما أدتْ الأحرف غرضًا من أهم مقاصد القرآن وهو الإعجاز فكانت فيها آية جديدة من آيات العجز البشري عن الإتيان بمثل كلام الله العلي القدير. فأثبتَتْ بذلك أيضًا أنه وحي من الله يوحى.
ولما كان القرآن نازلًا بلسان قريش أولًا، فقد بقيتْ لغتهم رغم نزول الأحرف أكثر اشتهارًا في قراءة القرآن وبقي منها في القرآن النسبة الكبرى لأنها أصل التنزيل ولم يعدل عن الأصل إلا فيما كانت الحاجة إليه ماسة. فأدَّى ذلك التدريج وبسبب العرضة الأخيرة أيضًا إلى وحدة اللسان العربي. وهو من أهم عناصر تكوين الأمة العربية ووحدتها.
كانت الأحرف السبعة خصيصة لأمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم من بين الأمم. ومزية للقرآن على جميع الكتب السماوية.
ثامنًا: تضافرت دلالات الأحاديث على أن الأحرف السبعة منزلة من الله، وأنها كانت توقيفية، وأن الرسول لم يُعمل فيها رأيًا ولم يغير حرفًا، إنما بلغ ما أمر الله به فأدى رسالة الله حق الأداء. وهذه الحقيقة الواضحة الهوية طود شامخ في وجه الهجمات الاستشراقية السخيفة، ومضاعفاتها التقليدية الصماء، التي يقوم بها أُناس فقدوا المقدرة على الفهم السليم والاستنتاج الصحيح، وتعاموا عما وضح رغبة في مسايرة الركب المنجرف في هذا العصر.
تاسعًا: لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر كُتّاب الوحي بكتابة كل ما ينزل من القرآن حين نزوله. ولقد قام أبو بكر بجمع القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقام عثمان باستنساخ صحف أبي بكر على مصاحف كثيرة. وحرص الكاتبون على أن تَجمع مصاحف عثمان كل ما يمكن من الأحرف السبعة، بجعل الخط محتملًا لأكثر من قراءة وساعدهم على ذلك أن النقط والشكل لم يكن معروفًا. فتركوا كتابة الألفات المتوسطة ووزعوا ما لا يحتمله الخط من الأحرف على المصاحف، كالواوات والهاءات .. إلخ.
لذلك لا يمكن القطع بأن مصاحف عثمان قد فاتها بعض ما في الأحرف السبعة. فهذا أمر لا سبيل إلى القطع فيه. والأصل في عمل عثمان ألا يفرط في شيء من كتاب الله تعالى ولكن لا سبيل إلى القطع باستيعاب مصاحفه كافة الأحرف السبعة، فذلك أمر ظني لا يقطع بشيء فيه. على أن الذي يحتمل أن يكون ترك من الأحرف ليس مختلفًا في حلال أو حرام عما كُتب وليس فيه معنى إضافي. كما أنه لا يخرج عن كونه من الأحوال اللفظية المختلفة بين اللغات العربية السبع التي بها نزل القرآن. وقد بينا كذب زعم (تسهر) ومن والاه، بأن القرآن كان مضطربًا، ثم اتفق المسلمون على نص موحد .. لمخالفة هذا الزعم للأحاديث الصحيحة والحقائق التاريخية الدامغة.
عاشرًا: انتشرت قراءات كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نتيجة لنزول القرآن على سبعة أحرف. وقد بينا أنواعها حسب أسانيدها. وأن القراءة تصح بالمتواتر، وبقطعي الثبوت منها فقط، وهو الذي ينطبق عليه ضابط القراءة المقبولة فيما حققناه.
وهذا الضابط هو: