فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 2012

ونستطيع أن نقول مثل هذا أو قريبًا منه في كل دليل من بقية الأدلة التي فصلناها في هذه الرسالة، وقد رأينا شيئًا من هذا عند بحث كل دليل وبيان أثره. والمهم أننا نرى في هذا التنوع والتعدد لمصادر التشريع مرونة واتساعًا وتلاؤمًا، حيث إن المجتهد الفقيه ـ مفتيًا كان أو قاضيًا أو حاكمًا ـ يسعه فيما إذا عرضت له قضية ـ كما يسع الأمة إذا حدثت حادثةـ أن يستنبط الحكم الشرعي لها بناء على هذا الدليل أو ذاك، طالما أنه دليل معتبر لدى إمام من الأئمة له ـ على اعتباره ـ حجته واستدلاله، بغض النظر عن مخالفة غيره له أو موافقته فيه، نظرًا منه إلى ما يتلاءم مع ظروف الأمة وحاجات الزمن، وما يتطلبه جلب النفع للناس أو دفع المفسدة عنهم، رعاية لمصالحهم وتحقيقًا لمقاصد الشارع فيهم.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد أن هذا التعدد للأدلة وهذا التنوع للمصادر نتج عنه كثرة كاثرة من الفروع الفقيهة والمسائل الاجتهادية، التي كان لها حكم شرعي بناء على اعتبار هذا الدليل أو ذاك، وبرأي هذا الإمام أو غيره، وهذا بلا شك مرونة واتساع من شأنه أن يجعل التشريع متلائمًا مع حاجات الزمن واختلاف الأحوال، ولا غضاضة أن هذا القول متفق عليه أو مختلف فيه، إن التشريع إنما ينظر إليه بمجموع ما فيه من نظريات وآراء وأحكام، وقواعد وأسس، سواء ما كان منها محل وفاق أم محل اختلاف، ولا ينظر إلى التشريع برأي إمام أو اجتهاد فقيه، فمهما كان الحكم مختلفًا فيه لا يخرج عن كونه حكمًا شرعيًا من أحكام التشريع من حيث الجملة، يسع الأمة ـ بعلمائها الأتقياء العارفين ـ أن تختار هذا القول أو ذاك حسبما يتلاءم مع الزمن وما يرجحه لديها من قرائن وأحوال، ولا حرج في ذلك ولا خروج عن طوق الشرع وحكمه، إذ لم يقل أحد من الأئمة المجتهدين، ولا من العلماء ذوي الفقه والفهم في الدين: إن الأمة بأجمعها ملزمة بمذهب إمام أو قول عالم أو رأي فقيه، بل إن الأئمة أنفسهم رفضوا مثل هذا ولم يرضوه لأنفسهم، فضلًا عن أن يقولوا به. فهذا الإمام مالك رحمه الله تعالى يأتيه أبو جعفر المنصور يقول له: قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم بأن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه إلى غيره. فقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورددوا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وأتوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. وحكيت نسبة هذه القصة إلى هارون الرشيد، وأنه شاور مالكًا في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه، فقال: لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل سنة مضت، قال: وفقك الله يا أبا عبدالله.

وحسبك هذا الكلام من إمام دار الهجرة شاهدًا على ما قلناه، وعلى مرونة هذا التشريع الذي فهمه أمثال مالك رحمه الله تعالى من الأئمة الأبرار والعلماء الأعلام.

وبعد، فإن هذه المرونة وهذا الاتساع وهذه الصلاحية وهذا التلاؤم الذي امتازت به الشريعة الإسلامية لا يعني ـ في حال من الأحوال ـ أنها قابلة للتغيير والتبديل، والتعديل والتطوير ـ كما يفهمه بعض من يدعي الإنصاف في نفسه لهذه الشريعة والحدب عليها ـ بحيث تخرج عن أصالتها ولا يبقى لها من الصلة بمصدرها الأساسي وهو كتاب الله المنزل إلا اسمها ورسمها، فتغير نصوصها وتبدل، وتفسر وتؤول بما يتلاءم مع تطور الزمن وما تعارف الناس فيه من مفاسد، وما ألفوه من منكر، وما اعتادوه من تصرفات هي مروق من الدين وخروج عنه، فلا يمكن أن يقرها بحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت