وكلا الرأيين -مع احتوائه على جانب من الحق والصواب من جهة- فإنه غير مسلم من جهة أخرى، وهي تضيق مجال الاشتغال بهذا الباب فإنه قد ظهر لي من خلال الاشتغال بالرسالة خلاف ذلك، إذ وجدت أن هذا الباب قد دخلت فيه الموضوعات والواهيات بكثرة، ومع أن أئمة الحديث قد قاموا بتوضيح الأمر فنجد بعض من كتب في هذا الموضوع اعتمد على الواهيات والموضوعات، فهناك مجال للقيام بالبحث والتمحيص عن هذه الأحاديث، والتمييز بين ما يصلح للاحتجاج منها وما لا يصلح.
ثم أنه قد ظهر الكثير من هذه الفتن والأشراط، ولا يزال يتجدد فيظهر يومًا فيومًا طبق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على صدقه وصحة نبوته، فهناك ضرورة لبيان ذلك بأسلوب مناسب للظروف الراهنة، يساعد في تثبيت الإيمان وتقويته في قلوب المسلمين، ويكون مدعاة لدخول البعض من غير المسلمين في الإسلام.
ثانيًا: ما يتعلق بكتاب السنن الواردة في الفتن:
وقد ظهر لي أن للكتاب أهمية بالغة، وذلك للأسباب التالية:
(أ) أنه من المؤلفات التي ألفت في العصور القديمة.
(ب) حسن المنهج الذي تبعه المؤلف في تأليفه للكتاب حيث استوعب الكلام على أغلب الجوانب المتعلقة بموضوع الفتن وأشراط الساعة رغم صغر حجمها نسبيًا، وقسم الكتاب تقسيمًا يساعد القارئ في إدراك الموضوع، وأوضح الكثير من العلامات في أبواب مستقلة، وقلّل من إيراد المرويات الإسرائيلية.
(ج) غلبة روح المعالجة للقضايا المتعلقة بالفتن وفساد الأزمنة.
(د) حفظ الكثير من النصوص الواردة في المصادر التي تعتبر في حكم المفقود، وغير ذلك من الأمور التي سبق ذكرها أثناء الدراسة النقدية للكتاب.
وقد ظهر لي أيضًا عند المقارنة بين الكتاب والسنن وغيره من الكتب السابقة واللاحقة أنه لا يمكن الاستغناء بكتاب عن آخر، لا سيما كتب المتقدمين، لأن كل واحد منها يشتمل على ما لم يشتمل عليه الآخر، كما أن لكل منها ميزته الخاصة.
ثالثًا: ما يتعلق بمؤلف الكتاب أبي عمرو الداني.
وقد ظهر لي من خلال ترجمته: أنه واحد من علماء السلف الذين اتصفوا بأغلب الصفات اللازمة التي يجب توفرها في عالم من علماء الدين، ولذلك لم أهتد إلى من تكلم فيه بشيء ينال من عدالته أو مروءته.
وقد رزقه الله تعالى شهرة كبيرة في القراءات وعلومها مما أهله لأن يتبوأ مكان الصدارة والإمامة فيها، وقد اتصف أيضًا بمعرفته بالحديث وغيره من العلوم الأخرى، كما أنه يعرف بسلامة منهجه في العقيدة.
ولهذه الأسباب فقد تضافرت أقوال العلماء على ثنائه، ووصفه بالأوصاف الحميدة، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وتغمده بمغفرته ورضوانه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين.