وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبزار واللفظ له من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السلطان ظل الله في أرضه، يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإن عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر وإن جار أو حاف أو ظلم كان عليه الوزر وعلى الرعية الصبر) [1] وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) [2] .
فإن قلت: ما حكم ما بأيديهم من بيوت الأموال مع وقوع ما فيه من ظلم على الرعية ولو في بعض الأحوال هل يجوز قبول ما يجعلونه منه لأهل المناصب؟ قلت: نعم، للحديث السابق أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر: (ما أتاك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك) [3] وثبت أنه صلى الله عليه وسلم فرض الجزية على أهل الكتاب وكانت من أطيب المال وأحله مع أن في أموالهم ما هو من أثمان الخمر والخنزير والربا، فإنهم يتعاملون به، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه استقرض من يهودي طعامًا ورهنه درعه، فيأخذ من له جراية من بيت مال المسلمين ما يصل إليه منه من غير كشف عن حقيقته إلا أن يعلم أن ذلك هو الحرام بعينه، على أن هذا الحرام الذي أخذه السلطان من الرعية على غير وجهه قد صار إرجاعه إلى مالكه مأيوسًا، وصرفه في أهل العلم والفضل واقع في موقعه ومطابق لمحله، لأنهم مصرف للمظالم بل من أحسن مصارفها ثم هذا المزري على من يتصل بسلاطين الإسلام من أهل العلم والفضل قد لزمه لزومًا بينًا أن يتناول هذا الطعن كل من اتصل بسلاطين الإسلام منذ انقراض خلافة النبوة إلى الآن، فإنه لا بد في كل زمان من طعن طاعن ولا بد أيضًا من صدور ما ينكر من أهل الولايات وإن كثر منهم ما يعرف، ولهذا يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (الخلافة بعدي ثلاثون عامًا ثم يكون ملكًا عضوضًا) [4] كما تقدم ولا بد للملك العضوض من أن يصدر عنه ما ينكر ولو نادرًا ولهذا لم تتفق الكلمة من جميع الناس على براءة ملك مكن ملوك الأرض من تلبسه بنوع من أنواع الجور واتصافه بالعدل المطلق الذي لم تشبه شائبة ولا قدحت فيه قادحة إلا على عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه.
ولا يمكن حصر عدد من يتصل من أهل العلم والفضل بسلاطين قرن من القرون بل بسلاطين بعض القرون في جميع الأرض، ونحن نعلم علمًا يقينيًا أنه لا بد لكل ملك - وإن كانت ولايته خاصة بمدينة من مدائن الإسلام فضلًا عن قطر من الأقطار فضلًا عن كثير من الأقطار- أن يكون معه جماعة ممن يلي المناصب الدينية وإلا لم يستقم له أمر ولا تمت له ولاية ولا حصلت له طاعة، ولا انعقدت له بيعة، يعلم هذا كل عاقل من المسلمين فضلًا عن أهل العلم منهم، وإذا كان الأمر هكذا فكم لهذا الطاعن المشؤوم من خصوم قد لا يعدل أحقرهم قدرًا وأقلهم علمًا وفضلًا، وهو لا يخرج عن قسمين: إما أن يكون من قسم المغتابين أو من قسم الباهتين، ولهذا يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (إن كان فيه ما تقوله فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) [5] فهو واقع في المأثم العظيم والذنب الوخيم على كل تقدير، وفي كل حالة.
(1) تقدم في الصفحة (323) .
(2) تقدم في الصفحة (12) .
(3) تقدم في الصفحة (349) .
(4) تقدم في الصفحة (103) .
(5) تقدم في الصفحة (327) .