13 -أشرت على أنه لم يكن للمنافقين عهود خاصة، وإنما كانوا يعطون العهود مع المسلمين كأفراد منهم -ظاهرًا- وما أشار إليه القرآن من نقضهم للعهود حدث منهم بطرق ملتوية وبأساليب متعددة، ولقد ذكر القرآن تلك الأساليب دون التصريح بأسماء من قام بها، مع بيان أنهم من المنافقين.
14 -استعمل مصطلح العهد والميثاق في عدة مجالات، ولقد شدَّ انتباهي كثرة هذه المجالات وأهميتها، وكيف أن العهد والميثاق جاء ليقرر مبادئ عظيمة، سعدت بها البشرية ماضيًا وحاضرًا، وتسعد بها مستقبلًا، وذكرت أن من أبرز تلك المجالات ما يلي:
أ- العقيدة هي أساس وجود الخلق، ولا خير في حياة بدون إيمان، وهل الظلمات إلاَّ الكفر والفجور، وما النور إلاَّ الإيمان والتقوى.
ولهذا جاء العهد والميثاق مقررًا هذه الحقيقة وملزمًا البشرية بتحقيق عبوديتهم لله سبحانه وتعالى، وداعيًا للإيمان به عز وجل، والعمل بما في كتب الله المنزلة، حيث تعمل كل أمة بكتابها، فكتب الله يصدق بعضها بعضًا، والمتأخر ناسخ للمتقدم ومصدق به، ولا تعارض في ذلك ولا تضاد.
كما أن الإيمان بالرسل من صميم عقيدة المسلم، فجاء العهد والميثاق في هذا المجال، طالبًا الإيمان بالرسل عمومًا وبالنبي المرسل خصوصًا فبعضهم يؤمن ببعض، فالمتقدم يبشر بالمتأخر والمتأخر يصدق المتقدم، ويعترف به، لا يستقيم الإيمان إلاَّ بذاك. والشرائع المنزلة كلها من عند الله، نؤمن بالمتقدم منها إجمالًا، وبالمتأخر تفصيلًا.
هكذا جاءت العهود والمواثيق في القرآن الكريم تؤصل هذا الجانب وتؤكده، وتدعو الناس للاهتمام بجانب العقيدة وتحقيقها في عالم الوجود.
ب- أمر المسلم بالعبادة، أصولها وفرعها، وقد أخذ الله الميثاق على الناس بأن يعبدوه، وذلك بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرهما من أنواع العبادات التي شرعها الله، وقد ورد مصطلح العهد والميثاق مبينًا أهمية هذا الجانب ووجوب العناية به، ومحذرًا من التفريط فيه أو الإهمال، فذلك نقض للعهد والميثاق، وعاقبته وخيمة، ومآل صاحبه إلى الخسران والهلاك.
ج- الأخلاق سرٌّ من أسرار بقاء الأمم ودوامها، وفقدانها سبب لدمارها وفنائها والخلق الحسن سمة بارزة في جبين الفرد، يقوده إلى مدارج العزّ والخلود.
وهذا المجال واسع رحب له آثاره ومزاياه، لذلك جاءت العهود والمواثيق محتفية بهذا الجانب ومؤكدةً عليه، فوردت آياتٌ كثيرة من آيات العهد والميثاق مشتملة على بيان أخذ الله العهود على البشر، ليلتزموا بالأخلاق الفاضلة ويبتعدوا عن أي خلق ذميم، على مستوى الفرد والجماعة.
د- من مآسي العالم في عصرنا الحاضر -وما أكثر مآسينا- عدم احترام العهود والمواثيق التي تبرم بين الدول. فكم من اتفاقية وقعت، وعهود كتبت، لم تزد أن تكون حبرًا على ورق، وهذا سبب القلاقل والفتن والحروب.
والإسلام يأبى هذه الأخلاق، ودين الله إلى الوفاء وحسن الجوار.
ومن هنا جاء مصطلح العهد والميثاق في مجال العلاقات الدولية ليرسم للبشرية ما يجب أن تكون عليه سياسة الدول، بعيدًا عن الغدر والخيانة وأخذ الناس الآمنين على حين غرَّة.
وبهذا تسعد البشرية، وتعيش في أمن يسود حياتها، ويتيح لها أن تتقدم في جميع شؤون الحياة ومجالاتها، بعيدًا عن الخوف والهلع، وتوقع الغدر والخيانة.
هـ- كما جاءت العهود والمواثيق في مجال العلاقات بين الدول، فقد وردت في مجال المعاملات بين البشر، وكما أخذ العهد بوجوب الإيمان بالله، وتصديق رسله، فقد جاء ليرسم للناس أسلوبًا في تعاملهم وحسن تقاضيهم، بعيدًا عن الالتواء والتربص وسوء الطوية، وهذا من عظمة هذا الدين وسمو أهدافه وغاياته، واحتفائه بالفروع كاهتمامه بالأصول.