قال ابن حجر في شرح النخبة: (الجرح مقدم على التعديل وأطلق ذلك جماعة ولكن محله إن صدر مبينًا من عارف بأسبابه لأنه إن كان غير مفسرًا لم يقدح في من ثبتت عدالته وإن صدر من غير عارف بأسباب لم يعتبر به أيضًا. فإن خلا المجروح عن التعديل قبل الجرح فيه مجملًا غير مبين السبب إذا صدر عن عارف على المختار) [1] .
وكذلك نص عليه النووي والصخاوي والسيوطي والسندي غيرهم [2] .
وحتى لو ثبت الجرح في الراوي فليس كل جرح يسقط الرواية بل من الجرح ما هو شديد ويستلزم ترك الرواية، ومنه ما ليس كذلك بل يعتضد الراوي المتصف به بغيره من المعتبرين فيحتج بروايته.
فأما الجرح الشديد هو الناشئ في الراوي من قبل كونه مهتمًا في دينه وعدالته أو كونه سيئ الحفظ جدًا فاحش الخطأ فحين ذاك تترك روايته بالمرة ولا يحتج به ولا يعتبر به.
قال الترمذي: (فكل ما كان متهمًا في الحديث بالكذب أو كان مغفلًا يخطئ الكثير فالذي اختار أكثر أهل الحديث من الأئمة أنه لا يشتغل بالرواية عنه) [3] وروى الخطيب بسنده عن ابن مهدي أنه قال: سمعت شعبة وسئل: من الذي يترك حديثه؟ قال: (الذي إذا روى عن معروفين ما يعرفه المعروفون فأكثر طرح حديثه. وإذا روى حديثًا غلطًا مجمعًا عليه فلم يتهم نفسه في تركه طرح حديثه. وإذا كثر الغلط يترك حديثه. وما كان غير ذلك فارو عنه) [4] .
فإن لم يكن الجرح شديدًا كأن يكون ناشئًا من ضعف الراوي بسبب سوء حفظ غير فاحش أو وهم يسير في بعض رواياته أو التدليس أو الاختلاط في آخر العمر وما إلى ذلك فمثل هذا يكتب حديثه ويعتبر به. فإن رواه غيره أو وجد ما يشهد لمعناه علم أنه لم يهم في روايته تلك.
قال الحافظ ابن حجر: (ومتى توبع السيئ الحافظ بمعتبر كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه كذا المختلط الذي لم يتميز والمستور والإسناد المرسل وكذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حسنًا لا لذاته بل وصفه بذلك باعتبار المجموع من المتابع والمتابع. لأن مع كل واحد منهم احتمال كون رواياته صوابًا أو غير صواب على حد سواء. فإذا جاءت من المعتبرين رواية موافقة لأحدهم رجح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين. ودل ذلك على أن الحديث محفوظ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول) [5] .
فابن خلدون كما قال أحمد شاكر: (لم يحسن قول المحدثين: الجرح مقدم على التعديل ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئًا مما قال) [6] .
لذلك رد على ابن خلدون كثير من العلماء ومن بينهم العلامة صديق حسن خان في (الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة) والشيخ المحدث شمس الحق العظيم آبادي في عون المعبود. والشيخ العلامة عبد الرحمن المباركفوري في تحفة الأحوذي في باب المهدي من كتابيهما. والشيخ المحدث أحمد شاكر في تعليقاته على مسند الإمام أحمد [7] . والشيخ المحدث أحمد ناصر الدين الألباني في تخريجه لأحاديث فضائل الشام ودمشق [8] والشيخ عبد الله بن محمد الصديق في كتابه إبراز الوهم المكنون.
(1) نزهة النظر (ص75) .
(2) الرفع والتكميل (ص58) وقد ذكرته بشيء من التفصيل في مقدمتي لكتاب الشجرة في أحوال الرجال، للإمام الجوزجاني.
(3) العلل للترمذي مع السنن (10/ 483) .
(4) مسألة الاحتجاج بالشافعي (ص 388) من مجلة البحوث العلمية.
(5) نزهة النظر (ص 26) .
(6) مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر (5/ 197) .
(7) المصدر السابق (5/ 197 - 1998) .
(8) فضائل الشام ودمشق للربعي (ص 100) .