يستطيع من جهد في تعليم القرآن ونشره بين الناس في كل البلاد التي نزل فيها، واستعان بصوته الجميل وقراءته الندية فاجتمع الناس عليه، وازدحم حوله طلاب العلم في مسجد البصرة، فقسمهم إلى مجموعات وحلق، فكان يطوف عليهم يسمعهم ويستمع منهم ويضبط لهم قراءتهم [1]
, فكان القرآن الكريم شغله الشاغل، رضي الله عنه، صرف له معظم أوقاته في حله وفي سفره، فعن أنس بن مالك قال: بعثني الأشعري إلى عمر، رضي الله عنه، فقال عمر: كيف تركت الأشعري؟ فقلت له: تركته يعلم الناس القرآن، فقال: أما إنه كيَّس [2] , ولا تُسمعها إياه [3] . حتى عندما كان يخرج إلى الجهاد كان يعلم ويفقِّه، فعن حطّاب بن عبد الله الرقاشى قال: كنا مع أبى موسى الأشعري رضي الله عنه في جيش على ساحل دجلة، إذ حضرت الصلاة، فنادى مناديه للظهر، فقام الناس للوضوء، فتوضأ ثم صلى بهم، ثم جلسوا حلقًا، فلما حضرت العصر نادى منادى العصر، فهبَّ الناس للوضوء أيضًا فأمر مناديه: لا وضوء إلا على من أحدث.
وأثمرت جهوده العلمية، رضي الله عنه، وقرت عينه برؤية عدد كبير حوله من حفاظ القرآن الكريم وعلمائه، زاد عددهم في البصرة وحدها على ثلاثمائة، ولما طلب عمر بن الخطاب من عماله أن يرفعوا إليه أسماء حفاظ القرآن لكي يكرمهم ويزيد عطاءهم، فكتب إليه أبو موسى أنه بلغ من قبلي ممن حمل القرآن ثلاثمائة وبضعة رجل [4] , واهتم أبو موسى، رضي الله عنه، بتعليم السنة وروايتها، فروى عنه عدد من الصحابة وكبار التابعين. قال الذهبي - رحمه الله-: حدّث عنه بريدة بن الحصيب، وأبو إمامة الباهلى، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وطارق بن شهاب، وسعيد بن المسيب، والأسود بن يزيد، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو عثمان النهدي وخلق سواهم [5] , وكان رضي الله عنه شديد التمسك بسنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
(1) المصدر نفسه، ص (127) ، سير أعلام النبلاء (2/ 389) ..
(2) الطبقات (4/ 108) رجاله ثقات، كّيس: عاقل فطن.
(3) سير أعلام النبلاء (2/ 390) .
(4) أبو موسى الأشعري، ص (129) .
(5) سير أعلام النبلاء (2/ 381) .