رعيته، وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته، وإياك أن ترتع فيرتع عمالك، فيكون مثلك عند ذلك مثل البهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض فرتعت تبغي السمن وإنما حتفها في سمنها» [1] . وهناك العديد من الرسائل بين عمر وأبى موسى تدل على نواح إدارية وتنفيذية مختلفة كان يقوم بها أبو موسى بتوجيه من عمر، وقد جمع معظم هذه المراسلات محمد حميد الله في كتابة القيم عن الوثائق السياسية [2] .
وتعتبر فترة ولاية أبى موسى على البصرة من أفضل الفترات حتى لقد عبر عنها أحد أحفاد البصريين فيما بعد، وهو الحسن البصري - رحمه الله - فقال: ما قدمها راكب خير لأهلها من أبى موسى [3] , إذ إن أبا موسى - رحمه الله - كان بالإضافة إلى إمارته خير معلم لأهلها، حيث علَّمهم القرآن وأمور الدين المختلفة [4] , وفي عهد عمر بن الخطاب كان العديد من المدن في فارس - والتي فتحت في زمنه - تخضع للبصرة، وتدار من قبل والى البصرة الذي يعين عليها العمال من قِبَلة، ويرتبطون به ارتباطًا مباشرًا، وهكذا اعتبر أبو موسى من أعظم ولاه عمر. واعتبرت مراسلات عمر مع أبى موسى من أعظم المصادر التي كشفت سيرة عمر مع ولاته، وبينت ملامح أسلوبه في التعامل معهم [5] , وقد أوصى عمر - رضي الله عنه - في وصيته للخليفة من بعده ألا يقرَّ لي عامل أكثر من سنة، وأقر الأشعري أربع سنين [6] , وقد تولى أبو موسى منصب القضاء في عهد عمر وكان كتاب عمر إليه في القضاء أنموذجًا ومثالًا يفيد كل قاض، بل وكل إداري، في كل زمان ومكان [7] , وقال عنه ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم، والشهادة، والمفتي أحوج شيء إليه وإلى تأمله والتفقه فيه [8]
, كما تولى الولاية في عهد عثمان
(1) مناقب عمر لابن الجوزى، ص (130) .
(2) الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة.
(3) سير أعلام النبلاء (2/ 389) .
(4) الولاية على البلدان (1/ 120) .
(5) المصدر نفسه (1/ 120) .
(6) سير أعلام النبلاء (2/ 391) .
(7) خلافة على بن أبى طالب، عبد الحميد، ص (262) .
(8) أعلام الموقعين (1/ 186) ..