الشروط في علي رضي الله عنه, فهل بيعته منعقدة أم لا؟ فإن كانت منعقدة -ولا شك في ذلك- وقد بايعه المهاجرون والأنصار؛ أهل الحل والعقد, وخصومه يقرون له بذلك, فقول معاوية السابق يدل عليه بأن «الإمام إذا لم يخل عن صفات الأئمة, فرام العاقدون له عقد الإمامة أن يخلعوه, لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا باتفاق الأئمة, فإن عقد الإمام لازم, لا اختيار في حله من غير سبب يقتضيه, ولا تنتظم الإمامة ولا تفيد الغرض المقصود منها إلا مع القطع بلزومها, ولو تخير الرعايا في خلع إمام الخلق على حكم الإيثار والاختيار لما استتب للإمام طاعة ولما استمرت له قدرة واستطاعة ولما صح لمنصب الإمام معنى [1] »
وإذن فليس الأمر بهذه الصورة التي تحكيها الروايات؛ كل من لم يرض بإمامه خلعه, فعقد الإمامة لا يحله إلا من عقده, وهم أهل الحل والعقد, وبشرط إخلال الإمام بشروط الإمامة, وهل علي رضي الله عنه فعل ذلك واتفق أهل الحل والعقد على عزله عن الخلافة وهو الخليفة الراشد حتى يقال إن الحكمين اتفقا على ذلك, فما ظهر منه قط إلى أن مات رضي الله عنه, شيء يوجب نقض بيعته, وما ظهر منه قط إلا العدل, والجد, والبر والتقوى والخير [2] .
6 -إن الزمان الذي قام فيه التحكيم زمان فتنة, وحالة المسلمين مضطربة مع وجود خليفة لهم, فكيف تنتظم حالتهم مع عزل الخليفة, لاشك أن الأحوال ستزداد سوءًا, والصحابة الكرام أحذق وأعقل من أن يقدموا على هذا؟ ولهذا يتضح بطلان هذا الرأي عقلًا ونقلًا.
7 -إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حصر الخلافة في أهل الشورى: وهم الستة وقد رضي المهاجرون والأنصار بذلك, فكان ذلك إذنًا في أن الخلافة لا تعدو هؤلاء إلى غيرهم ما بقى منهم واحد ولم يبق منهم في زمان التحكيم إلا سعد بن أبي وقاص, وقد اعتزل الأمر ورغب عن الولاية, والإمارة, وعلي بن
(1) غياث الأمم, ص (128) , مرويات أبي مخنف, ص (410) .
(2) الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/ 238) .