الجمل على جولتين، الجولة الأولى: كان قائدا جيش البصرة فيها طلحة والزبير، واستمرت من الفجر حتى قبيل الظهيرة (1) ، ونادى علي في جيشه، كما نادى طلحة والزبير في جيشهما: لا تقتلوا مدبرًا، ولا تجُهزوا على جريح، ولا تلحقوا خارجًا من المعركة تاركًا لها (2) ، وقد كان الزبير رضي الله عنه وصى ابنه عبد الله بقضاء دينه فقال: إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، هاني لا أراني إلا سأقتل مظلومًا، وإن أكبر همي ديني (3) ، وأثناء ذلك جاء رجل إلى الزبير، وعرض عليه أن يقتل عليًّا، وذلك بأن يندس مع جيشه ثم يفتك به، فأنكر عليه بشدة، وقال: لا؛ لا يفتك مؤمن، أو إن الإيمان قيد الفتك (4) ، فالزبير رضي الله عنه ليس له غرض في قتل علي أو أي شخص آخر بريء من دم عثمان، وقد دعى أمير المؤمنين علي الزبير، فكلمه بألطف العبارة، وأجمل الحديث. وقيل ذكره بحديث سمعه من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول له -أي الزبير-"لتقاتلنه وأنت له ظالم" (5) ، وهذا الحديث ليس له إسناد صحيح (6) ، وبعض الروايات ترجع السبب في انصراف الزبير رضي الله عنه قبيل المعركة لما علم بوجود عمار بن ياسر في الصف الآخر وهو وإن لم يرو عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"تقتل عمارًا الفئة الباغية" (7) ، فلعله سمع من بعض إخوانه من الصحابة لشهرته (8) ، وبعضها ترجع السبب في انصرافه إلى شكه في صحة موقفه (9) من هذه الفتنة، كما يسميها، وفي رواية ترجع السبب في انصرافه إلى ابن عباس رضي الله عنه ذكره بالقرابة القوية من علي إذ قال له: أين صفية بنت عبد المطلب حيث تقاتل بسيفك علي بن أبي طالب ابن
(1) "تاريخ الطبري" (5/ 541، 543) ، و"الخلفاء الراشدون"للخالدي ص (245) .
(2) المصدر نفسه (5/ 541) .
(3) "مصنف ابن أبي شيبة" (15/ 279) ، و"الطبقات" (3/ 108) صحيح الإسناد.
(4) "مسند أحمد" (3/ 19) قال محققه أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(5) "استشهاد عثمان ووقعة الجمل"ص (1، 2) خرّج طرف الحديث وحكم عليها بالضعف.
(6) "المدينة النبوية فجر الإسلام" (2/ 324) ، و"المطالب العلية"رقم (4468) .
(7) "مسند أحمد" (1/ 47 - 49) ، (11/ 38) إسناده صحيح، تحقيق: أحمد شاكر.
(8) "خلافة علي بن أبي طالب"ص (154) .
(9) المصدر نفسه ص (154) ، و"تاريخ الطبري" (5/ 506) .