وكان علي رضي الله عنه من الخلف يأمر بالكف عن القتال، وعدم الهجوم على البصريين، لكن السبئيين في مقدمة جيشه لا يستجيبون له، ويأبون إلا إقدامًا وهجومًا وقتالًا، ولما رأت عائشة عدم استجابتهم لدعوتها، ومقتل كعب بن سور أمامها، قالت: أيها الناس: العنوا قتلة عثمان وأشياعهم، وصارت عائشة تدعو على قتلة عثمان، وتلعنهم وضجّ أهل البصرة بالدعاء على قتلة عثمان، وأشياعهم، ولعنهم، وسمع علي الدعاء عاليًا في جيش البصرة فقال: ما هذا؟ قالوا: عائشة تدعو على قتلة عثمان، والناس يدعون معها. قال علي: ادعوا معي على قتلة عثمان، وأشياعهم والعنوهم وضجّ جيش علي يلعن قتلة عثمان والدعاء عليهم (1) ، وقال علي: اللهم العن قتلة عثمان في السهل والجبل (2) واشتدت الحرب واشتعلت وتشابك القوم وتشاجروا بالرماح، وبعد تقصف الرماح، استلوا السيوف فتضاربوا بها حتى تقصفت (3) ، ودنى الناس بعضهم من بعض (4) ، ووجّه السبئيون جهودهم لعقر الجمل وقتل عائشة أم المؤمنين، فسارع جيش البصرة لحماية عائشة وجملها، وقاتلوا أمام الجمل، وكان لا يأخذ أحد بخطام الجمل إلا قتل، حيث كانت المعركة أمام الجمل في غاية الشدة والقوة والعنف والسخونة، حتى أصبح الهودج كأنه قنفذ مما رمي فيه من النبل (5) ، وقتل حول الجمل كثير من السلمين من الأزد وبني ضبة، وأبناء وفتيان قريش بعد أن أظهروا شجاعة منقطعة النظير (6) ، وقد أصيبت عائشة بحيرة شديدة وحرج فهي لا تريد القتال، ولكنه وقع رغمًا عنها وأصبحت في وسط المعمعة، وصارت تنادي بالكف، فلا مجيب، وكان كل من أخذ بخطام الجمل قتل، فجاء محمد بن طلحة (السجاد) وأخذ بخطامه وقال لأمه أم المؤمنين: يا أماه ما تأمرين، فقالت: كن كخيري ابني آدم -أي كف يدكَ- فأغمد سيفه
(1) "البداية والنهاية" (7/ 253)
(2) "مصف ابن أبي شيبة" (15/ 268) بسند صحيح، و"سنن سعيد بن منصور" (2/ 236) بسند صحيح.
(3) "مصف ابن أبي شيبة" (15/ 258) رجاله رجال الصحيح.
(4) "الطبقات" (5/ 92) بسند حسن.
(5) "البداية والنهاية" (7/ 253) ، و"تاريخ خليفة"ص (190) بسند حسن.
(6) "البداية والنهاية" (7/ 254) .