بعد أن سله فقتل رحمه الله (1) كما قتل عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، الذي حاول أن يقتل الأشتر حتى لو قتل معه، وذلك أنه صارعه فسقطا على الأرض جميعًا، فقال ابن عتاب لمن حوله: اقتلوني (2) ومالكًا لحنقه عليه؛ لما كان له من دور بارز في تحريض الناس على عثمان رضي الله عنه، ولكن الأشتر لم يكن معروفًا بمالك، ولم يك قد حان أجله ولو قال الأشتر لا بتدرته سيوف كثيرة (3) وأما عبدالله ابن الزبير، فقد قاتل قتالًا منقطع النظير، ورمى بنفسه بين السيوف، فقد استخرج من بين القتلى وبه بضع وأربعون ضربة وطعنة، كان أشدها وآخرها ضربة الأشتر؛ إذ من حنقه على ابن الزبير لم يرض أن يضربه وهو جالس على فرسه، بل وقف في الركابين فضربه على رأسه ظانًّا أنه قتله (4) ، واستحر القتل أيضًا في بني عدي وبني ضبة والأزد وقد أبدى بنو ضبة حماسة وشجاعة وفداء لأم المؤمنين رضي الله عنها، وقد عبر أحد رؤسائهم وهو عمر بن يثربي الضبي برجزه:
نَحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أَصْحَابُ الجَمَلْ ... نُنَازِلُ المَوْتَ إٍذَا المَوْتُ نَزَلْ
المَوْتُ عِنْدَنَا أَحْلَى مِن العَسَلْ ... نَنْعِي ابْنَ عَفَّانَ بِأَطْرَافِ الأَسلِ (5)
أدرك أمير المؤمنين علي رضي الله عنها، بما أوتي من حنكة وقوة، ومهارة عسكرية فذة أن في بقاء الجمل استمرارًا للحرب، وهلاكًا للناس، وأن أصحاب الجمل لن ينهزموا أو يكفوا عن الحرب ما بقيت أم المؤمنين رضي الله عنها في الميدان، كما أن في بقائها خطر على حياتها فالهودج الذي هي فيه أصبح كالقنفذ من السهام (6) ،
(1) "نسب قريش"ص (281) ، و"التاريخ الصغير"للبخاري (1/ 110) بسند صحيح.
(2) "مصنف ابن أبي شيبة" (15/ 228) ، و"مرويات أبي مخنف"ص (268) ، وإسناده صحيح.
(3) "خلافة علي بن أبي طالب"، لعبد الحميد ص (159) .
(4) "مصنف ابن أبي شيبة" (15/ 228) بسند صححه ابن حجر في"الفتح" (13/ 57 - 58) .
(5) "تاريخ خليفة"ص (190) بسند حسن، و"خلافة علي"، لعبد الحميد ص (159) .
(6) "أنساب الأشراف"للبلاذري (2/ 43) بسند متصل.