فأمر علي نفرًا من جنده منهم محمد ابن أبي بكر -أخو أم المؤمنين- وعبد الله ابن بديل: أن يعرقبا الجمل ويخرجا عائشة رضي الله عنها من هودجها إلى الساحة -أي يضربا قوائم الجمل بالسيف- فعقروا الجمل (1) ، واحتمل أخوها محمد وعبد الله ابن بديل الهودج حتى وضعاه أمام علي، فأمر به علي، فأدخل في منزل عبدالله ابن بديل (2) ، وصدق حدس علي رضي الله عنه العسكري، فما إن زال السبب أو الدافع الذي دفع البصريين إلى الإقبال على الموت بشغف، وأخرجت أم المؤمنين من الميدان، حتى ولوا الأدبار منهزمين. ولو لم يتخذ هذا الإجراء لاستمرت الحرب إلى أن يفنى جيش البصرة أصحاب الجمل، أو ينهزم جيش علي، وعندما بدأت الهزيمة، نادى علي أو مناديه في جيشه ألاَّ يتبعوا مدبرًا ولا يجهزوا على جريح، ولا يغنموا إلا ما حمل إلى الميدان أو المعسكر من عتاد أو سلاح فقط، وليس لهم ما وراء ذلك من شيء، ونهاهم أن يدخلوا الدور، ليس هذا فحسب، بل قال لمن حاربه من أهل البصرة: من وجد له شيء من متاع عند أحد من أصحابه، فله أن يسترده فجاء رجل إلى جماعة من جيش علي وهم يطبخون لحمًا في قدر له، فأخذ منهم القدر وكفأ ما فيها حنقًا عليهم (3) ،
4 -عدد القتلى:
أسفرت هذه الحرب الضروس عن عدد من القتلى اختلفت في تقديره الروايات، وذكر المسعودي أن هذا الاختلاف في تقدير عدد القتلى مرجعه إلى أهواء الرواة (4) . فيذكر قتادة أن قتلى يوم الجمل عشرون ألفًا (5) ، ويظهر أن فيها مبالغة كبيرة؛ لأن عدد الجيشين حول هذا العدد أو أقل، أما أبو مخنف الرافضي الشيعي، فقد بالغ كثيرًا بحكم ميوله، وقد أساء من حيث يظن أنه أحسن إذ ذكر أن العشرين
(1) "أعلام الحديث"للخطابي (3/ 1611) .
(2 - 3) "مصنف ابن أبي شيبة" (15/ 286 - 287) بسند جيد، و"الفتح" (13/ 57) .
(4، 5) "مروج الذهب" (2/ 367) .