فدل القرآن -في غير موضع- على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة, ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر, ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد, وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم. وقد اتفق أهل العلم على أن كل شخص - سوى الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنه يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر, واتباعه فيما أمر, واجتناب ما نهى عنه وزجر, وألا يعبد الله إلا بما شرع, فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحي يوحى [1] .
والسنة المطهرة دلت على ذلك, ولكنهم لا يرجعون إلا إلى أقوال أئمتهم, وإليك ما ينقد مذهبهم مما ثبت عندهم من أقوال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه, فقد جاء في نهج البلاغة الذي تعتمده الشيعة, ما يهدم كل ما بنوه من دعاوي في عصمة الأئمة, حيث قال أمير المؤمنين -كما يروي صاحب النهج-: لا تخالطوني بالمصانعة, ولا تظنوا بي استثقالًا في حق قيل لي, ولا التماس إعظام النفس, فإنه من استثقل الحق أن يقال له, أو العدل أن يعرض عليه, كان العمل بهما أثقل عليه, فلا تكفوا عن مقالة بحق, أو مشورة بعدل, فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي [2] . فهو هنا لم يدع ما تزعم الشيعة فيه من أنه لا يخطئ بل أكد أنه لا يأمن على نفسه من الخطأ, كما لم يعلن استغناءه عن مشورة الرعية بل طلب المشورة بالحق والعدل؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة, إنما كل فرد على حدة معرض للضلالة, فعلم أن دعوى العصمة من غلاة الشيعة [3] , وجاء في نهج البلاغة -أيضًا-: لابد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن, ويجمع به الفئ, ويقاتل به العدو, وتأمن به السبل, ويؤخذ به للضعيف من القوي [4] . فأنت ترى أنه لم يشترط العصمة في الأمير, ولم يشر لها من قريب أو بعيد, بل
(1) منهاج السنة (3/ 175) .
(2) نهج البلاغة, ص335.
(3) أصول الشيعة الإمامية (2/ 964) .
(4) نهج البلاغة, ص 82.