نفسها, ولذلك فإن ظاهرة الاختلاف في أعمال الأئمة كانت سببًا مباشرًا لخروج بعض الشيعة من نطاق التشيع حيث رابهم أمر هذا التناقض, ومن أمثلة ذلك ما ذكره القمي والنوبختي من أنه بعد قتل الحسين حارت فرقة من أصحابه وقالت: قد اختلف علينا فعل الحسن وفعل الحسين رضي الله عنهما, لأنه إن كان الذي فعله الحسن حقًا واجبًا صوابًا من موادعته معاوية وتسليمه له عند عجزه عن القيام بمحاربته مع كثرة أنصار الحسن وقوتهم, فما فعله الحسين من محاربته يزيد بن معاوية مع قلة أنصار الحسين وضعفهم, وكثرة أصحاب يزيد حتى قُتل وقتل أصحابه جميعًا باطل غير واجب, لأن الحسين كان أعذر في القعود من محاربة يزيد وطلب الصلح والموادعة من الحسن في القعود عن محاربة معاوية, وإن كان ما فعله الحسين حقًا واجبًا صوابًا من مجاهدته يزيد حتى قتل ولده وأصحابه, فقعود الحسن وتركه مجاهدة معاوية وقتاله ومعه العدد الكثير باطل, فشكوا في إمامتهما ورجعوا فدخلوا في مقالة العوام [1] .
وأما الأمثلة على الاختلاف والتناقض في أقوال الأئمة فهو باب واسع, وكان هو الآخر من أسباب انصراف بعض الشيعة عن التشيع, وقد شهد بذلك شيخ الطائفة الطوسي, وقال بأن أخبارهم متناقضة متباينة حتى لا يوجد خبر إلا بإزائه ما يضاده, ولا رواية إلا ويوجد ما يخالفها, وعد ذلك من أعظم الطعون على المذهب الشيعي, ومن أسباب مفارقة بعض الشيعة الإمامية للمذهب, وكتابا التهذيب والاستبصار -وهما المصدران المعتمدان من المصادر الأربعة عند الشيعة- يشهدان بهذا التناقض والاختلاف عبر رواياتهما الكثيرة, وقد حاول الطوسي درء هذا الاختلاف ومعالجة هذا التناقض بحمله على التقية فما أفلح إذ زاد الطين بلة, علمًا بأن الطوسي هو الذي كان يوجه الروايات فيقول: هذا الحديث تقية, وهذه الرواية ليست بتقية, وعليها العمل. والمتفق عليه أن الطوسي نفسه ليس بمعصوم, وبالضرورة سوف يخطئ في توجيه بعض هذه الروايات فيجعل ما ليس بتقية تقية
(1) المقالات والفرق للقمي, ص 25, فرق الشيعة للنوبختي, ص 26،25.