ولو لم تكن عدالتهم منصوصا عليها في كتاب الله وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لجزم أهل العقول الصحيحة والقلوب السليمة بعدالتهم، استنادا إلى ما تواترت به الأخبار عنهم من الأعمال الجليلة والخيرات الوفيرة التي قدموها لنصرة دين الله الحنيف، فقد بذلوا ما أمكنهم بذله في سبيل نصرة الحق ورفع رايته وإرساء قواعده ونشر أحكامه في جميع الأقطار -رضي الله عنهم أجمعين-، والعدالة المرادة هنا ليس المقصود بها عدم الوقوع في الذنوب والخطايا فإن هذا لا يكون إلا لمعصوم [1] ، قال ابن الأنباري: وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف البحث عن أسباب العدالة، وطلب التزكية إلى أن يثبت ارتكاب قادح ولم يثبت ذلك ولله الحمد والمنة، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى يثبت خلافه [2] .
الإجماع على عدالتهم: أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة جميعهم عدول بلا استثناء من لابس الفتن وغيرها ولا يفرقون بينهم، الكل عدول إحسانا للظن بهم ونظرا لما أكرمهم الله به من شرف الصحبة لنبيه عليه الصلاة والسلام، ولما لهم من المآثر الجليلة من مناصرتهم للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والهجرة إليه والجهاد بين يديه والمحافظة على أمور الدين والقيام بحدوده، فشهادتهم ورواياتهم مقبولة دون تكلف بحث عن أسباب عدالتهم بإجماع من يعتد بقوله، وقد نقل الإجماع على عدالتهم جمع غفير من أهل العلم، ومن تلك النقول:
أ- قال الخطيب البغدادي -رحمه الله- بعد أن ذكر الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التي دلت على عدالة الصحابة -رضي الله عنهم- وأنهم كلهم عدول، قال: هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء [3] .
(1) عقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام (2/ 809) .
(2) فتح المغيث (3/ 115) .
(3) الكفاية، ص 67.