وقد قال مالك للشافعي [1] لمّا اجتمع به ورأى تلك المخايل [2] : إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية [3] .
ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحلّ، وظلام المعصية يقوى، حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم. فكم من مَهْلكٍ يسقط فيه، وهو لا يبصره [4] ، كأعمى خرجِ بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب. فيا عزّةَ السلامة، ويا سرعةَ العطب!
ثم تقوى تلك الظلمات، وتفيض من القلب إلى الجوارح، فيغشى الوجهَ منها سوادٌ [5] بحسب قوتها وتزايدها. فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ، فامتلأ القبر ظلمةً، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم:"إنّ هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمةً وإنّ الله منوّرها بصلاتي عليهم" [6] .
فإذا كان يومُ المعاد وحشرِ الأجساد علت الوجوهَ علوًّا ظاهرًا يراه كلُّ أحد، حتّى يصير الوجه أسود مثل الحُمَمة. فيالها عقوبةً [7] لا توازن لذاتِ الدنيا بأجمعها من أولها إلى آخرها! فكيف بقسط العبد المنغَّص المنكَّد المتعَب في زمن إنّما هو ساعة من حُلْم! فالله المستعان.
(1) س:"رحمة الله عليهما".
(2) ف:"المحافل"، تحريف. وفيها بعد ذلك:"إني أرى على قلبك نورًا".
(3) سبق في ص (133) .
(4) س:"لا يبصر".
(5) ز:"فتغشى الوجوه منها سوادَا".
(6) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أخرجه مسلم في الجنائز، باب الصلاة على القبر (956) .
(7) س:"من عقوبة".