يزعم أنه يعبد مَن أمَرَه بعبادته وعبادة أمّه، ورضِيَها لهم، وأمرهم بها.
وهذا هو الشيطان الرجيم لعنة الله عليه، لا عبدُ الله ورسولُه.
فنزِّلْ [1] هذا كله على قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) } [يس: 60] [2] . فما عبد أحد من بني آدم [3] غيرَ الله كائنًا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع [4] العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له واشراكه مع الله الذي هو غاية رضي الشيطان.
ولهذا قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ} أي من إغوائهم وإضلالهم {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا [71/أ] قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) } [الأنعام: 128] .
فهذه إشارة لطيفة إلى السرّ الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنّه لا يُغفَر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في العذاب [5] ، وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله. وكيف يظنّ بالمنفرد [6] بالربوبية والإلهية والعظمة
(1) كذا ضبط في س بتشديد الزاي، وفي ف بتشديدها وكسرها، وهو الصواب.
(2) هنا انتهى السقط الذي وقع في ز.
(3) "أن لا تعبدوا ... بني آدم"ساقط من س.
(4) ز:"فليستمتع".
(5) ل:"النار".
(6) ف:"بالمتفرد"، ولم ينقط الحرف في س.