وخيل، وأصبح حاكمَ المدينة الأميرُ منيفُ بن شيحة، ورقيَ المنبر حقًا أبانَ به توشيحه وترشيحه، ولم يزل في المدينة حاكمًا في اعتزاز، والمُلكُ به في اهتزاز، ومؤازرُهُ وساعدهُ أخوه جمَّاز، إلى أن تُوفي في عامِ سبعٍ وخمسين وستمائة، فوليها من يومئذ الأميرُ عزُّ الدِّين بنُ جمَّاز بنِ شيحة، ولم ينازعه أخوه الأمير عيسى بن شيحة.
ثمَّ إنَّ ابن أخيه مالكَ بنَ منيف انتزعها منه في سنةِ ستٍ وستين وستمائة، فاستنجد عليه الأميرُ جمَّاز بصاحب مكة (1) وغيره من العُربان، وساروا إلى المدينة في جمعٍ حفيل، وجمٍّ غفير، كأنهم رِجلان من الغِرْبان (2) ، فلمَّا عجزوا عن إخراجه، وتعرض للبور وأتراجه (3) ، قوَّضوا (4) وتفرَّقوا، وانفضُّوا من حوله وتمزَّقوا، وبقي جمَّازُ في جماعته، وتفرَّد في رِفاقته ورِباعته (5) ، أرسل إليه مالك بن منيف يقول: أراك حريصًا على إمرة المدينة وأنت عمي وصِنْوُ أبي، وقد كنتَ له معاضدًا مساعدًا، وعمَّا يكره مجانبًا ومُباعدًا، ونحن نتجنب عقوقك، ويجب أَنْ نحترمك ونرعى حقوقك، وقد استخرتُ الله تعالى، ونزلتُ لك عن إمرة المدينة طوعًا، وتركتها غيرَ مُكْرَهٍ ولا موصلٍ إلى أحدٍ بقتالك رُعبًا ورَوْعًا، فَسُرَّ بذلك جمَّازُ وشكر على إزاحة الفساد، وحمِدَ الله تعالى على حقن الدماء وبلوغ المراد، واستقلَّ بالإمارة من يومئذٍ إلى أَنْ حَلَّ في حُفْرته، ثمَّ استقرت إلى الآن بيدِ أولاده وذرِّيته.
(1) يعني نجم الدين أبو نمي محمد بن حسن بن علي الحسني. العقد الثمين 3/ 436.
(2) رجل الغراب: ضرب من صَرِّ الإبل. لا يقدر معه الفصيل أن يرضع أمه. يريد بذلك عدم قدرتِهم. اللسان (رجل) 11/ 265.
(3) أتراجه: إشكالاته. القاموس (ترج) ص182.
(4) أصل التقويض: نقض البناء في غير هدم. القاموس (قوض) ص653.
(5) الرِّباع: جمع رَبْعٍ، وهي الدار. القاموس (ربع) ص718.