كم له من موقفٍ تشيب له الولدان، وثباتٍ في مواقف فَرْقِها مَنْ عجز عن نِطاحة الفرقدان، شَرُفَتْ لبسطه الورى، وافتخرت سجاياه على ملوك الورى، وتمكَّنت محبَّتُه من القلوب فكانت أحلى في القلوب من نَيْل المُنى، وألذَّ في الأجفان من سِنَةِ الكرى، وصحَّت أسانيد المدحِ إلى صفاته الزَّكية فلم يكن حديثًا يُفترى، ووطَّد قواعدَ المجد في الممالك وخصَّ به الحرمين الشَّريفين طيبةَ وأمَّ القُرى، وانتشر فيهما من جميل آثاره وأخباره ما أَشبه الآنف منظرًا ومخبرًا.
جمع بين شرف الملوك وشرف العلماء، فكادت أسرة الملك تشتري لموطئه وهي وريقة (1) بقطر الماء.
وكم له مِن سعيٍ أجملَ فيه لله رَواحًا وغُدوَّا، وكم أغنى وأقنى (2) بسيبه وسيفه في طوريَ الميعاد والإيعاد وليًِّا وعدوًّا.
شرّف الله به ممالك طالما شرفت بأسلافه، وعلم أهلُها كيف يُستخرج الدُّرُّ من أصدافه، وشاهدوا من عزَّته نضرة النَّعيم، وكادوا يقولون عند رؤيته: {مَا هَذَا بَشَرًَا، إنْ هَذَا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ} (3) .
له في الحرم الشَّريف المدني آثار أبرزتْهَا خوافي المحامد، وآثار، منها: الخزانة الشَّريفة المشتملة على محاسن الكتب ومفاخرها، فما مِنْ طالبٍ مقتبِسٍ إلا هو مستمدٌ من جواهر زواخرها.
ومنها: التُّربةُ التي أمر بإنشائها في صدر البقيع فافتخر بِها على آخرها، أخلص نواته قاصدًا أَنْ يكون مدفنَه بعد عمرٍ طويل، ويأوي إليه لِنَيل شَرفِ الجوار إذا نُودي بالرَّحيل، وللمنقطعين بالمدينة من عوارفه رزق دار، وعيش تارّ (4) ، وقلب سار، وأملُهم في مضاعفته بجميل عاطفته حقيقٌ سَديد،/483 وحَبْلُ رجائهم في مرادفته ومكاتعته وثيقٌ شديد.
(1) وَرِيقة: كثيرة الورق، والمراد: النضارة والنضوج والتمام. القاموس (ورق) ص928.
(2) أقنى: أعطى القُنية، وهي الكَسْبَة. القاموس (قني) ص1326.
(3) سورة (يوسف) ، آية 31.
(4) تارٌّ: ممتلئ. القاموس (ترر) ص356.