فهرس الكتاب
وقد ابتُلي بِمحنةٍ ثبَّته الله فيها وصبَّره، ولم يغضَّ بِها عن قَدْرِه بل كبَّره، وذلك أنه في عام اثنين وأربعين مات مختارٌ البغداديُّ وكان خِصِّيصًا لخدمة الشَّيخ وملازمته، فاتَّهمه والي المدينة ثابتُ بن جَمَّاز (1) ، فطلب العفيفَ، وقابله بالخطاب العنيف، وطالبه بِمالِ مُختار، وما ترك من الدِّرهم والدِّينار، فحلف له أنَّه ليس عندي شيءٌ من ذلك، فلم يصدِّقه ورماه في جُبٍّ مُعَدٍّ لمن يقصدُ إلقاءَه في المهالك، ثمَّ أمر بنهب داره، وتخريب دياره، فَأَخذ جميعَ ما في بيته من شِعاره ودِثاره، حتى مجاليد كتب العلم وأسفاره، إلى حُصر المنْزل وبواريه والمسامير مِن جداره، وعَذَّبَ خادمه لِيُقِرَّ على درهمه وديناره، فلم يكن سوى إقراره ببعض نفقةٍ وحُليٍّ لبعض جواره، فأخذ الجميع، ولم يفكر في هذا الأمر الفظيع، وساوى في طلب حِزَامِ بين الرَّفيع والوضيع.
وبقي الشُّيخُ في الجُبِّ يومين وليلتين، وكان من أقوى الأسباب لسرعة زوال الجولتين، هلك النَّائب والمنوب، ولعبت في منازلهم الصَّبا والجنوب (2) ، واختطفت لحومهم العِقْبان (3) والنُّسور، ونسج الحائك عصرًا من العَبور (4) ، لهزَ (5) به من عظمهم المكسور، وناء بالبذور، فسبحان القهَّار الغيور.
ثمَّ أخرج الشِّيخ من الجُبِّ الأسود، على أنْ يدفعَ إليهم سبعةَ أحمالٍ من الرُّزِّ الأبيض، فاقترض ثَمَنَهُ وأعطاهم، وغرِم للمستودعين ودائعهم وأرضاهم، وفاز بصبره واحتسابه، ولم يقبل في ذلك شيئًا من أحدٍ من أصحابه.
(1) ثابت بن جماز: ناب عن أخيه ودي في إمرة المدينة، قتل في رمضان سنة 743هـ. التحفة 1/ 391.
(2) الصبا والجنوب من أنواع الرياح. القاموس (صبا) ص1302، و (جنب) ص69 - 70. وهذا كناية عن هلاكهم وخواء ديارهم.
(3) العِقْبان جمع عُقاب، وهو من أنواع الطيور. القاموس (عقب) ص117.
(4) العبور من الغنم التي لم تُجز عامها. اللسان (عبر) 4/ 531.
(5) لهز: خالط. القاموس (لهز) ص525.