فهرس الكتاب
يطوون مراحل الأيَّام بقليلٍ من الطعام، كان لهم فقراءُ معارفُ عَرَفوا بالآخرة حالهم، وكانوا إذا فرغَوا في مَخْن (1) الحديقة أشغالهم [الغير محمية] (2) ، حملوا لهم من سُقاطات (3) اللِّفْتِ والسِّلْقِ المرميَّة، ورُفَاتات (4) الجَزَر والبقول اللحمية (5) ، وأتوا بِها إليهم كأنَّما أنعموا بجزيلٍ من النِّعم عليهم، فيأخذه خادمهم ويَسِلقه بالماء، فإذا رجعوا من صلاة العشاء تناولوا منه لُقَمًَا، وما فَضَل من ذلك أخذه الخادم، ورمى به خارجَ البلدة لتأكلَه البهائم، استمرُّوا على ذلك أعوامًا، لا يعرفون غير ذلك طعامًا ولا إِدامًا، فَفِطن لهم بعض النَّاس فكان يأتيهم بشيءٍ من عِشر التَّمر والشَّعير، ويجتزئون (6) من ذلك بأيسرَ من اليسير، إلى أن انتشر صِيتُهم، واشتهرت أخبارهم، وكَثُرَ أتباعُهم وزُوَّارُهم، والتفَّ عليهم الأعيان والخُدَّام، وقُصِدوا من اليمن والشَّام.
وكان الشَّيخُ رحمه الله يأبى العيشَ الرَّغد، ولا يدَّخر أبدًا شيئًا لغد، ولا يردُّ المسكين والفقير، ولا يتعدَّى في الملبس خَلَقَ نقير (7) ، ويتصدَّق بجميع ما حضر من القليل والكثير، فيقول للسَّائل: ارفع الحصير، وخُذْ ما تَحت الحصيرة.
(1) المخن: النَّزع من البئر والقَشْر. القاموس (مخن) ص1233.
(2) مابين معقوفين من التحفة اللطيفة.
(3) السُّقاطات: جمعُ سُقاطة، وهي ما سقط من الشَّيء. القاموس (سَقَطَ) ص671.
(4) جمع رُفاتٍ، وهو الحُطام. القاموس (رَفَتَ) ص152.
(5) في الأصل تداخلٌ واضطراب في هذين السطرين، والتصويب من التحفة اللطيفة2/ 373.
(6) يجتزئون: يكتفون. القاموس (جزأ) ص36، ووقع في الأصل: (ويتجزون) ، والتصويب من التحفة اللطيفة 2/ 373.
(7) الخَلَق: الثوب البالي، والنَّقير: النُّكتة في ظهر النواة، وهو يُضرب به المَثل في القِلَّة، أي: لا يجاوز الثياب البالية ولا شيئًا قليلًا. القاموس (خَلِقَ) ص881، (نقر) ص486.