وأكرهُ شيءٍ إليه مُخالطةُ الأمور الدُّنيوية، وأحبُّ شيءٍ إليه الزُّهد في هذه الدُّنيا الدَّنية، يسلكُ مِنْ لَوَاحبِ (1) العدل والبُعدِ (2) لَهِمًَّا (3) مُوضحًا، وأعدَّ من بأسهِ لمفارِقِ فَرْقِ الطُّغيان مِدْعَسًَا (4) مُرْضِحًا (5) ، وإذا صلَّى الصُّبح جلس في مُصلاَّهُ لا يتكلَّم حتى يُصلِّيَ الضُّحى.
فانصلح بصلاحه جميعُ ذوي قرابته، وتعجَّبَ الكافَّة من عجيب أمرهِ وغَرابته، وجمعِه بين نَظْمِ أُمور المُلك وزُهدِه وخشوعهِ في عبادِته وإنابته.
ورَدَّ المدينة بعَدلِه إلى حالةٍ يُغْبَطُ أهلُها على سُكْنَاها، وبلغت كلُّ نفسٍ من الخِصْب والعدل والأمنِ مُنَاها، وأَمِنت الناس على أنفسهم وأهلِيهم وأموالهم في مَنَاها (6) .
وكان عنده وَحشةٌ عظيمةٌ من أخذ العشور والمُكوس (7) ، على أنَّه لم يدخل شيءٌ منه في مطعومٍ ومشروب وملبوس (8) ، ولم يزلْ يحمل همَّها، وينفي سَمَّها، إلى أَنْ طهَّره اللهُ منها بحسن نِيَّة، وخُلوص طَوِيَّة، وعوَّضَه عنها، ما هو خيرٌ منها، ورُتِّب له من الحلالِ مالٌ جزيل، عوضًا عمَّا تركه من ذلك الحرام القليل.
وكان لا يظهر عليه آثار الإِمْرة والولاية، ولا له في ترتيب الأُمور المعتادة للأُمراء اهتمام وعناية.
(1) اللَّواحبُ جمعُ لَحْبٍ، وهو الطريق الواضح. القاموس (لحب) ص133.
(2) الحزم، يقال: إنَّه لذو بُعْدٍ، وبُعْدَةٍ، أي: رأيٍ وحزم. القاموس (بعد) ص268.
(3) اللَّهَمُ: الجوادُ السابقُ. القاموس (لهم) ص1160.
(4) المِدْعَسُ: الرُّمح. القاموس (دعس) ص545.
(5) مرضحًا كاسرًا. القاموس (رضح) ص219.
(6) مناها: قدرِها وتقديرها، ويحتمل المَنَى: الموت. يريد أنَّ الناس أمنوا على أموالهم بعد موتهم من السَّلب والنَّهب. القاموس (مني) ص1336.
(7) المُكوس: جمع مَكْسٍ، وهي ما تُعرف بالضَّرائب. القاموس (مكس) ص575.
(8) أي: له.