حكى لي أبو عبد الله محمدُ بنُ الحَكري (1) أحدُ قضاةِ المدينة قال: بلغني ضَعْفُه وانقطاعه في البيت فتوجَّهتُ لعيادتِه، ودخلتُ إليه لزيارته، فوجدتُ شخصًا على جِلٍّ (2) مُلتفًا بكساءٍ عتيق، فظننتُه بعضَ الخُدَّام أو بعضَ الرَّقيق، فقصدت التَّخطي، حتى أُخبرتُ أَنَّه المُتَغطِّي، فأدَّيتُ من عيادته ما وجب، وقضيتُ من زَهَادتِه العجب.
ومع ذلك لم يُقِمْ بالمدينة سنةً كاملة من حين مَلَكَها إلى أَنْ فارقها وتركها، وكان يُبْلِغُ في وصيته مَنِ استنابه بحُسن السِّيرة في الرَّعايا، والعدل في الأحكام والقضايا، ولذلك سارت أحوالهُ في النَّاس أحسن سيرة، وتخلَّقوا بالخلائق الحميدة، والمكارمِ الأثيرة (3) .
60 -عليُّ بنُ يوسفَ بنِ الحسنِ، الشَّيخُ نورُ الدِّين ابنُ الشَّيخِ عزِّ الدِّين الزّرنديُّ، المدنيُّ، الأنصاريُّ (4) .
كان من أفاضل الدَّهر، وأماثلِ العصر، واحدَ الزمان، وفريدَ الأقران، /505 الرَّاقي مراقي الأعلام، بالبيان واللِّسان والأقلام، مع القريحة الوقَّادة، والبصيرة النَّقَّادة، والسَّريرةِ التي بِها سادَ القادة، وقادَ السَّادة.
(1) شمس الدِّين محمد بن سليمان الحَكري، المقرئ، ولي قضاء المدينة سنة 766هـ، توفي سنة 782هـ. نَصِيحَةُ المُشَاور ص 231، الدُّرَرُ الكَامِنَةُ 3/ 451، وستأتي ترجمته في حرف الميم.
(2) الجِلُّ: البِساط. القاموس (جَلَل) ص978.
(3) الأثيرة: المختارة المُفضَّلة. قال في اللسان: فلان أثيري أي خُلصاني (أثر) 4/ 8.
(4) نَصِيحَةُ المُشَاور ص106، الدُّرَرُ الكَامِنَةُ 3/ 142، التُّحفة اللَّطيفة 3/ 268.