فهرس الكتاب
ولي الحكم والخطابةَ بالمدينة في عام خمسين وسبعمائة، فباشرها بسياسة تامَّة، ورئاسةٍ عامة، جعل المحاسَنةَ له أحسنَ منهاج، ولا تجدُ له بالمخاشنة مِنْ هَاجٍ، مع الحلم الكافي، والخُلُق الضافي، والكرمِ الوافي، والوِرْد الصَّافي، والخُطَبِ الفصائح، ومحاسن المواعظ والنَّصائح، والصَّوت الجَهْوَري، واللَّفظ الجوهري.
إذا صلَّى فكَّ تلبيب (1) المأسور، وإذا خطب أسمعَ مَنْ في السُّوق بل مَنْ على السُّور، غير أنَّه كان قاصرًا عن مَنْ كان قبله في درجات العلوم، مُقصرًا فيما يتعَيَّنُ على المتولِّي إقامته من شرائط ورسوم، فاشتغل النَّاس به وبالطَّعن عليه، وهمزوه بأنَّ شروط الواقف لم تَجتمَعْ لديه، وإنَّ من جملتها العلم بالقراءات ومعرفة الأصلين، وإنَّه لم يقرأ منهما في مناظِر النُّظَّار فصلين، ولا في مناضل النِّضال (2) نَضْلين.
وكان يُعاب بأنَّ فيه شيئًا من طباع العوام، منها أنَّه يُقبِّلُ الأرض إذا تَمثَّل بين يدي النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام، في أشياء كثيرةٍ يهول نُكْرُها، ويطول ذِكْرُها.
(1) التلبيب: موضع اللَّبب، واللْبَب: موضع القِلادة من الصَّدر. القاموس (لبب) ص 133.
(2) يقال: ناضله نِضالًا: باراه في الرَّمي. القاموس (نضل) ص 1063.