ووضع عمررضي الله عنه القبلة بعد أن دعا مشيخة أهل الْمَدينَة من قريش والأنصار والعرب والموالي فقال: احضروا قبلتكم ، فوضعوها على ما كانت عليه لا ينزع حجرًا إلا وضع حجرًا مكانه (1) .
وجعل للمسجد أربع منارات في كل ركن واحدة ، وفرغ من بنائه في ثلاث سنين ، وكانت المنارة الرابعة مطلة على دار مروان ، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذن المؤذن، فأطل على سُليمان وهو في الدَّارِ فأمَرَ بتلكَ المنارة فهدمت إلى ظهر المَسْجِد ، ولم يَزل الْمَسْجدُ الشريفُ على ثلاث منارات إلى سنة ست وسبعمائة، فإنه أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بإنشائها.
وأدخل عمر بن عبد العزيز بيت فاطمة بنت رَسُولِ الله صَلَّى الله عَليهِ وَسَلَّمَ في المسجد،وهو شمالي بيت عائشة رضي الله عنها الذي فيه قبر النبي صَلى الله عَليهِ وَسَلَّمَ. وبنى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على بيت عائشة رضي الله عنها حائطًا،لم يوصلهُ إلى سَقفِ الْمَسْجدِ، بل دوين السقف بمقدار أربعة أذرع، وأدار عليه شباكًا من خشب من فوق الحائط إلى السقف يراه المتأمل من تحت الكسوة التي على الحجرة المقدسة ، وجعل للحجرة الشريفة خمسة أركان مُخمَّسَة .
قلت: وشكلها شكل عجيب لا يكاد يتأتى تصويره ولا تمثيله ، يقال إن عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه اخترع ذلك في تدبير بنائها مخافة أن يتخذها الناس مصلى ، فإن الصفحات الأربع محرفة عن القبلة / 165 تحريفًا بديعًا لا يتأتى معه لأحد استقبالها في صلاته لأنه ينحرف عن القبلة .
(1) رواه ابن زبالة ، عن محمد بن عمار، عن جده،به .ذكره ابن النجار في الدرة ص159، والسمهودي في وفاء الوفا 2/520 .