وقد غفل المؤلف رحمه الله عن أن مثل هذه الحكايات التي لو صحت نسبتها عن من رويت عنه، فإن المنامات كما قرر علماء الأصول لا تصلح دليلًا في الأحكام الشرعية، فضلًا عن أنها حتى لو اعتبرت دليلًا فلا يمكن أن تعارض بها الأدلة من النصوص الشرعية، فضلًا عن أن يعارض بها القواعد الشرعية الأساسية، التي يقوم عليها بناء التوحيد وما يجب لله سبحانه وتعالى من حقوق.
ويتضح لك معارضة هذه الحكايات لعقيدة التوحيد إذا تصورت أنه لا يتم التصديق بهذه الحكايات إلا باعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم حاضر ناظر يجيب المضطر إذا دعاه ويسمع دعاء المحتاج وشكواه، وما اتخذ الناس مريم إلها من دون الله إلا بمثل هذا الاعتقاد.
وبالإضافة إلى عنايته بهذه الحكايات فقد وردت في الكتاب عبارات قليلة متناثرة، ظاهر ألفاظها الغلو في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تأثر فيها بما شاع في عصره.
ولعل عذره رحمه الله أنه كان عالم لغة، أما باعه في الحديث والفقه فهو كما وصفه تقي الدين محمد بن أحمد الحسني الفاسي بقوله: (( وكانت له بالحديث عناية غير قوية، وكذا بالفقه ) ) (1) .
ويؤيد ما ذكره الفاسي وجود الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتابه كما سيلاحظ القارئ.
وقد وقع التردد في نشر الكتاب بسبب هذه الحكايات والعبارات المنكرة لأمرين:
1 -ما تدل عليه النصوص من كراهية النبي صلى الله عليه وسلم الشديدة لصيغ من الإطراء هي أقل مما يدل عليه ظاهر العبارات التي أشرنا إليها، فينبغي لكل مسلم صادق المحبة لرسول أن يكره ما يكرهه.
وما تضمنته الحكايات التي أشرنا إليها من نسبة أقوال أو أفعال يقطع بكذبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد علم ما ورد في ذلك من الوعيد الشديد.
2 -خشية اغترار بعض القراء الذين ينقصهم الفقه في الدين والاطلاع على النصوص بتلك العبارات والحكايات.
(1) العقد الثمين: 2/ 364.