وحكى ابنُ جنيٍّ في كتاب النَّوادر الممتعة بسنده، عن الفضل بن إسحاق (1) قال ـ أو قال بعض المشيخة ـ قال: لقيتُ أعرابيًا فقلت: ممنّ الرَّجل؟ فقال: من بني أسد. فقلتُ: فمن أين أقبلتَ؟ قال: من هذه البادية. قلت: فأين مسكنُك منها؟ فقال: مساقط الحِمى حِمى ضَرِيَّة، بأرضٍ ـ ها لَعَمْرُ الله ـ ما نريد بِها بدلًا عنها ولا حِوَلًا، قد نفحتها الغَدَوات، وحفَّتها الفَلَوات، فلا يملولح ترابُها، ولا يمْعَرُ (2) جنابها، ليس فيها أذى ولا قذى، ولا دَعَك (3) ، ولا مُومٌ (4) ، ولا حمَّى، فنحن فيها بأرفه عيش، وأرغد معيشة.
قلتُ: وما طعامكم؟ قال: بَخٍ، بخ، عيشُنا واللهِ عيشٌ يُعلِّل جاذيَه (5) ، وطعامنا أطيب طعام وأمرأُهُ وأهنأه: الفَثُّ، والهبيد، والفَطْس، والصَّليبُ، والَعْنكَثُ، والعِلْهِز، والذَّآنين، والطَّراثيث، والحِسَلة، والضِّباب.
وربما ـ والله ـ أكلنا القِدَّ، واشتوينا الجلد، فما نرى أنَّ أحدًا أحسنُ منَّا حالًا، ولا أخصبُ جَنابًا، ولا أرخى (6) بالًا.
فالحمد لله على ما بسط علينا من النِّعمة، ورزق من حُسن الدَّعة (7) . أو ما سمعت بقول قائلنا (8) ؟:
/352 إذا ما أصبنا كلَّ يومٍ مُذَيقةً
وخَمسَ تُمَيْرَاتٍ صغارٍ كوانِزِ
فنحنُ ملوكُ النَّاسِ شرقًا ومَغْربًا
(1) لم أجده، وفي وفاء الوفا3/1101:المفضل .
(2) لايمعر: لا يفنى زادها ومرعاها. القاموس (معر) ص 477.
(3) الدَّعَك: الحُمق والرعونة. القاموس (دعك) 939 .
(4) المُوم: عِلَّة يهذى فيها، وهي البِرسام. القاموس (موم) ص 1161، (برسم) ص 1079.
(5) الجاذي: القائم على أطراف أصابعه. القاموس (جذا) ص 1269.
(6) أرخى: أمن واطمأن. القاموس (رخى) ص 1287.
(7) الدَّعة: السَّعة في العيش. القاموس (ودع) ص 769.
(8) الأبيات مع القصة في معجم البلدان 3/458، وفاء الوفا3/1101 .
الهَزاهز: تحريك البلايا والحروب والناس. القاموس (هزز) ص 529.