وكانت في العرصة قصورٌ مشيَّدة، ومناظرُ رائعةٌ، وآبارٌ عَذْبة، وحدائقُ ملتفَّةٌ، فخربت ودَثَرت على طول الزَّمان، وتكرُّر الحَدَثان، ولم يبق اليوم فيها إلا آثارٌ وآبارٌ، وبقايا أبنية متهدِّمة تدلُّ على ارتفاع الديار، لكن تَجد النَّفسُ برؤيتها أُنسًا لا يكاد البيان يصفه، ويشاهد من منظرها روحا لا يكاد اللسان ينعته، فهو كما قال حبيب بن أوس (1) :
ما رَبْعُ ميَّةَ معمورًا يُطيفُ به
غَيلانُ أبهى رُبًا من رَبْعِها الخَرِبِ
ولا الخدودُ وإنْ أدمينَ من نظرٍ
أشهى إلى ناظرٍ من خَدِّها التَّرِبِ
وبالمدينة عرصةٌ أخرى شرقيَّةٌ، قريبًا من العُرَيض (2) ، ولديها سدٌّ يُعرف بسدِّ العَرْصة.
وفي تاريخ رزين (3) أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى في مسجد العرصة. قال: والعَرْصَةُ ضيعةٌ لسعد بن معاذ (4) رضي الله عنه.
(1) هو أبو تمام، أشعر أهل زمانه، كان لطيف الفطنة، دقيق المعاني، غوَّاصًا على ما يُستصعب، مدح الوزراء، والخلفاء العباسيين، له ديوان حافل، و (الحماسة) . أخباره في الأغاني 15/96، تاريخ بغداد 8/48.
والبيت من بائيته المشهورة في مدح المعتصم، وفتح عمورية في (ديوانه) ص19، ومطلعها: السَّيفُ أصدقُ إنباءً من الكتبِ ... في حدِّه الحدُّ بين الجِدِّ واللعب.
وهما في تحقيق النصرة ص 183.
(2) وادٍ بالمدينة. معجم البلدان 4/114. قلت: وهو في الحرّة الشرقية بقرب طريق المطار القديم .
(3) تقدمت ترجمته، وهو (رزين بن معاوية العبدري) .
(4) صحابي جليل، سيد الأوس، أسلم على يد مصعب بن عمير، وشهد بدرًا، وما بعدها، وأصيب يوم الخندق بأكحله، ثم توفي على إثرها، حكَّمه الرسول صلى الله عليه وسلم في بني قريظة، فحكم فيهم بحكم الله. طبقات ابن سعد 3/420، أسد الغابة2/221، الإصابة2/37.