وذُكر عن سعيد بن العاص (1) رضي الله عنه، أنَّه لما حضره الموت دعا ابنه عمرًا (2) فقال (3) : أوصيك بخلالٍ ثلاث: أولُهنَّ: إنَّ عليَّ دينًا عظيمًا فاكسر فيه مالي حتى تؤدِّيَه عني، وانظر إخواني، فإنْ فقدوا وجهي فلا يفقدوا معروفي، ولا تُزوِّج بناتي إلا الأكفاء، وإلا فاقصرهنَّ في الحِجال (4) . فمات سعيدٌ وركب عمرو إلى معاوية، فقال الحاجب: يا أمير المؤمنين عمرو بالباب؟. فقال معاوية: هلك والله سعيد، أدخله، فأدخله فنعى له سعيدًا، وأخبره بوصيته في دَينه وغيره. فقال معاوية: نحن قاضون عنه الدَّيْن. فقال عمرو: إنما أوصى إليَّ أن يكون ذلك من صُلْب ماله. قال: فإني أفعل، مع أني أكره أن أُخشِّن بصدر مروان (5) وذويه من قريش بقضاء دَيْن أبيك، فبعني بعض ضياعه، فباعه العرصة بألف ألف. فقالت قريش: أيخدَع معاوية نفسه أم يَكيدنا؟ فدخل مروان على معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين؟ مادون الله عزَّ وجلَّ يَدٌ تحجزك عن هواك، لَنَحْنُ أهوَن عليك فيما تريد من نقد (6) الحجارة، فعلامَ تخدع نفسك وتكيدها؟ هلاَّ جعلتَ ما أعطيتَ
(1) صحابي جليل، كان من أشراف قريش وأجوادهم وفصحائهم، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان بن عفان، غزا طبرستان وجرجان فافتتحهما. توفي سنة 59هـ. طبقات ابن سعد 5/30، أسد الغابة 2/239، الإصابة 2/47 .
(2) كان يلقب الأشدق، أمه أم البنين بنت الحكم بن أبي العاص، من التابعين، كان كاتبًا على ديوان المدينة، وأميرًا لها زمن معاوية، ثم طلب الخلافة بعده، فقتله عبد الملك بن مروان. نسب قريش ص176، المعارف ص296، المحبر ص377، أنساب الأشراف 6/55 .
(3) الخبر في أنساب الأشراف للبلادي 6/51 باختصار.
(4) الحِجَال جمع حَجَلَة، وهي موضعٌ يُزيَّن بالثياب والستور للعروس. القاموس (حجل) ص 982.
(5) مروان بن الحكم. وقد تقدمت ترجمته.
(6) أصل النّقد: تمييز الدراهم ، وإخراج الزيف منها .لسان العرب (نقد) 3/425.