[البناية] أبي منهما، وذلك لأن الصحابة لما قرروه على الفتوى منهم صار كواحد منهم [ ... ] ، كما إذا فعل فعل بين يدي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وسكت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما روي عنه أن زكاة الأرض يبسها ولم يرو عن غيره خلافه حل محل الإجماع ولا سيما وقد وافقه أبو جعفر محمد بن علي وأبو قلابة وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ومحمد بن الحنفية مات سنة ثمانين. وقيل: سنة إحدى وثمانين وهو ابن خمس وستين سنة.
ولد في خلافة أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ومع هذا استدل أكثر أصحابنا في هذه المسألة بما رواه أبو داود عن أحمد بن صالح قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كنت أبيت في المسجد على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكنت فتى شابًا، عزبًا، فكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك، وأخرجه أيضًا أبو بكر بن خزيمة في"صحيحه".
فإن قلت: قال الخطابي: يتأول على أنها كانت تبول خارج المسجد في مواطنها وتقبل وتدبر في المسجد [] وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة، ولم يكن على المسجد أبواب حتى تمنع عن عبورها فيه.
قلت: هذا تأويل بعيد جدًا، لأن قوله في المسجد ليس ظرفًا لقوله: تقبل وتدبر، بل إنما هو ظرف لقوله: تبول وتقبل وتدبر، كلها وأيضًا قوله: يكونوا يرشون شيئًا من ذلك، يمنع التأويل لأنها كانت تبول في موطنها ما كان يحتاج إلى ذكر الرش وغيره إذ لا فائدة فيه.
وأبو داود بوب على هذا بقوله: باب طهور الأرض إذا يبست، فهذا أيضًا يرد عليه هذا التأويل الظاهر أنها كانت تبول في المسجد، ولكنها تنشف فتطهر فلا يحتاج إلى رش الماء، وإنما حمل الخطابي على هاذ التأويل الفاسدة منعه هذا الحديث أن لا يكون حجة للحنفية عليهم.
فإن قلت: احتجوا علينا بما رواه مسلم «عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مه مه، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا تزرموه"فتركوه حتى بال، ثم أمر رجلًا فدعا بدلو من ماء فسنه عليه» . وأخرجه البخاري أيضًا ولفظه: «فبال في طائفة من المسجد فزجره الناس فنهاهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلما قضى بوله، أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذنوب من ماء فأهريق عليه» . وأخرجه النسائي وابن ماجه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أيضًا.
قوله: مه، أمر فعل من مونة، ومعناه اكفف، [و] مه الثاني تأكيد له. وقوله: لا تزرموه