ومنهم مَن يجعل الإنشاء أو يخُصُّ الإنشاء بما لا طلبَ فيه. يجعل الإنشاء بما لا طلب فيه، فحينئذٍ يُخرِج الطلب من حيِّز الإنشاء، وعند الجمهور أن القسمة ثنائية: الخبر والإنشاء، أين الطلب، الذي هو الأمر والنهي؟ في داخل الإنشاء؛ في ضمن الإنشاء، وبعضهم يَفصِلُ الطلب عن الإنشاء، فيجعل حينئذٍ الإنشاء بما لا طلبَ فيه، ويجعل الطلب قسمًا ثالثًا مستقلًا بنفسه.
إذن: منهم من يخصُّ الإنشاء بما لا طلب فيه، ويقسِّم الكلام إلى ثلاثٍ: خبرٍ، وطلبٍ، وإنشاء، وهذا أيضًا مذهبُ الكثير، لكن الأرجح الأول.
والأصل في هذا أن يكون من مباحث البيانيين لا من مباحث النحويين؛ لأن مبحث النحاة إنما هو في أحوال أواخر الكلم، علمٌ بأصولٍ يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعرابًا وبناءً، فحينئذٍ مبحث النحاة إنما في الإعراب والبناء، أما كون الكلام خبرًا وإنشاءً وطلبًا وتمنّيًا وترجّيًا الأصل هذا ليس من مباحث النحاة، وإنما هو من مباحث البانيين.
إذن: بعضهم يقسِّم الكلام إلى خبرٍ وطلبٍِ وإنشاء، فالخبر: ما احتملَ الصدق والكذِبَ لذاته، هذا هو الخبر: ما احتملَ الصدق والكَذِبَ لذاته، والطلبُ عندهم: ما تأخّرَ معناه عن وجودِ لفظه، معناه، أي: مدلوله: اضرب، معناه: الذي هو إيقاع الطلب -يتأخر عن اللفظ، تقول: اضرب أولًا تنطق به، ثم بعد ذلك يُوجد مدلوله.
والإنشاء: ما قارنَ معناهُ لفظَهُ: أنت حرٌّ، لو قال لعبده: أنت حر، نقول: هذا إنشاء، قارنَ اللفظُ المعنى، أو: قارن المعنى اللفظ؛ لأنه منذ أن قال: أنت حرّ، مدلولُه وقع بانتهاء حرف الراء، فحصلت المقارنة بين مدلول اللفظ مع النطق: بعت إذا قُصد بها الإنشاء، اشتريت إذا قُصد بها الإنشاء.
ورُدَّ هذا التقسيم الثلاثي، رُدّ بماذا؟ بأن الطلب معناه: الاستدعاء، وهو قسمٌ من الإنشاء، فنحو: اضرب، معناه: أطلُبُ الضربَ، إذا قال: اضرب، معناه: أطلُبُ الضرب، اسقني: أطلُبُ السقيا، أليس كذلك؟ وهو مُقترِنٌ بلفظه الذي هو الطلب مع اللفظ: اضرِب، أطلُبُ الضرب، المعنى المدلول مقترنٌ بلفظه.
وأما وجودُ الضربِ الذي هو مُتعلَّقه فهو المستقبَل وليس هو مدلول الطلب، إذا قال: اضرِب، نقول: مدلول اللفظ: أطلب الضرب، أما الذي هو الضرب عينه نفسُهُ فهذا يقع في المستقبل، وهذا مُتعلَّق اللفظ لا مدلوله، إذن نقول: الأصل في هذا أن الطلب معناه الاستدعاء، وهو داخِلٌ في قسم الإنشاء، أو داخِلٌ في معنى الإنشاء؛ لأن اضرِب معناه ومدلوله: أطلبُ الضربَ، وهنا حصلت المقارنة، أما عينُ الضرب ووقوعه فهو مُتعلَّق اللفظ ويقع في المستقبل.
ما دليلُ الحصرِ في الخبر ولإنشاء؟ إذا قيل: ما الدليل؟ قيل: الإجماع، اُدّعِي الإجماعُ لكنه ليس بالصحيح، ودليل الحصر فيهما: أن الكلام إما أن يكون لنسبتِهِ خارجٌ بالقوة أو الفعل تطابقه أو لا تطابقه، الكلام: إما أن يكون لنسبته خارجٌ، سبقَ معنا قديما: أن الجملة الاسمية والجملة الفعلية لها نسبة؛ لها معنى؛ لها مفهوم؛ لها مدلول، وهي ارتباط المبتدأ بالخبر، أو المحمول بالموضوع، هذا الأصل أنه موجود في الذهن؛ له وجودٌ في الذهن يُدرَك من التركيب.