إذا قال: زيدٌ قائمٌ، ثبوتُ القيامِ لزيد هذا نسبة؛ ارتباط؛ علاقة، نقول: هذا يُوجَدُ في الذهن أولًا، أما في الخارج فقد يُوجد وقد لا يُوجد، أليس كذلك؟ هذا مرّ معنا، إذا قيل: زيدٌ قائمٌ، من مجرّد التركيب يُدرك الذهن أن ثَم ارتباطًا وعلاقةً بين القيام وزيد، وثبوتُه هو النسبة أو المعنى، هذه تكون في الذهن، في الخارج زيدٌ وقائم، إن كان بينهما ارتباط على جهةِ الإيقاع فحينئذٍ نقولُ: طابقت النسبةُ الذهنيةُ الخارجَ، وسيأتي أنّ هذا هو الصدق، وعدم المطابقة هو الكذب.
فإذا قيل: زيدٌ قائمٌ، أدركَ العقل ثبوتَ القيام لزيد، لكن في الخارج؛ خارج العقل قد يكون القيامُ ثابتًا، وقد يكون غيرَ ثابت، قد يقع القيامُ من زيد، وقد لا يقع القيامُ من زيد، إن وقع القيام من زيدٍ نقول: النسبة التي في الذهن، والنسبة التي في الخارج تطابقتا، وهذا هو الصدقُ كما سيأتي، إذا أدركَ العقلُ النسبةَ للثبوت قيام لزيد في الذهن، فوجدنا في الخارج أن زيدا لم يقم، إذن: هنا منفيّةٌ النسبة في الخارج، وفي الذهن مُثبتة، هل حصل التطابق؟ لا لم يحصل التطابق، هذا يُسمّى كذبا كما سيأتي.
إذن: نقول: دليل الحصر أن الكلام مطلقًا إنشاءً وخبرًا، إما أن يكون لنسبته، أي: النسبة الذهنية، خارجٌ بالقوة أو بالفعل؟ بالفعل، يعني: بالإيجاب، زيدٌ قائمٌ أو ليس بقائم، يعني: الخبر وقعَ أو لم يقع بالفعل، أما بالقوة فما سيأتي أن المراد به: سيقوم زيدٌ المستقبَلات، سيأتي أنها توصف بالكذب والصدق، تطابقه أو لا تطابقُهُ، إن طابقت فهي الصدق، وإن لم تطابق فهي الكذب، أو لا يكون له خارجٌ كذلك.
إذن: إما أن يكون له خارج، أو لا يكون، إن كان له خارجٌ مطلقًا بالقوة أو بالفعل .. طابقت النسبة، أو لم تطابق، هذا هو الخبر، القسم الأول بأقسامه، هذا هو الخبر، أو لا يكون له نسبةٌ في الخارج، نقول: هذا الثاني هو الإنشاء؛ لأن ثَم مقارنة بين المعنى واللفظ، فالأول بأقسامه الخبر، والثاني هو الإنشاء.
لمَ قلنا: بالقوة أو بالفعل؟ قال: وقولنا بالقوّة أو بالفعل لئلا يرِدَ الإخبار عن المستقبَلات، إذا قيل: الخبر ما احتمل الصدق والكذب لذاته، المستقبل لو قلت: سيقوم زيدٌ، قام زيدٌ، زيدٌ قائمٌ، يحتمل الصدق والكذب؛ لأنه خبر، أليس كذلك؟ زيدٌ قائمٌ، قام زيدٌ، زيدٌ قد قام، هذه كلها أخبار عن أمور وقعت وحصلت، وتسلُّطُ الكذبِ والصدق عليها واضحٌ وبيّن وظاهر، لكن: سيقوم زيدٌ في المستقبل، هل يصحُّ أن يُوصف المعنى الذي سيقع في المستقبل، أو الحدث الذي سيقع في المستقبل، هل يصحُّ أن يُوصف بالصدق والكذب؟
نقول الجواب: نعم يصحُّ وهو خبر، والخبر: ما احتملَ الصدقَ والكذبَ: (( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [الأنعام:27] هذا تمنٍّ، الله عز وجل قال: (( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ) [الأنعام:28] أكذَبهم .. كذَّبهم؟ نعم.