إذن: يقعُ الوصف بالصدق أو الكذب للمستقبَلات: سيقوم زيدٌ، فإنه عند النطق به ليس له خارج يطابقه أو لا يطابقه، هذا لا إشكال. ليس له خارج يطابقه أو لا يطابقه، فلا يمكن وصفه حينئذٍ؛ حين وقت النطق، لا يمكن وصفه بالصدق ولا بالكذب، ولا شكّ أن الإخبار عن المستقبَلات يُوصَف بالصدق والكذب لقوله تعالى: (( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ) [الأنعام:28] هذا في جواب حكاية قول ربِّنا جلّ وعلا عن الذين كفروا: (( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ) [الأنعام:27] ، فإن تكذيب الله تعالى إياهم راجعٌ إلى ما تضمَّنهُ التمني من الوعد وهو المستقبل.
الحاصل من هذا، أن يُقال: إن المستقبَلات يعني: الجمل التي تدلُّ على حدثٍ لم يقع الآن، ولم يقع في الماضي وإنما سيقع في المستقبل هذا أيضًا يُوصف بالصدق وبالكذب للآية المذكورة: (( وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ) [الأنعام:28] لأنهم تمنّوا شيئا في المستقبل: (( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا ) ) [الأنعام:27] الله عز وجل ردَّ عليهم: (( وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) ) [الأنعام:28] .
قال رحمه الله: البابُ الأول الإسناد الخبري.
إذن الصواب: أن القسمة ثنائية، الخبر والإنشاء، بعضُهم وصَّلها إلى ستة عشر، لكنها كلها أقوال ضعيفة:
محتملٌ للصدق والكِذبِ الخبر وغيره الإنشا ولا ثالث قرّ
إذا قيل بأن القسمة ثنائية، يَرِدُ السؤال: ما هو الخبر؟ نقول: الخبر كما مرَّ معنا مرارًا: ما احتملَ الصدقَ والكذبَ، ونزيدُ: لذاته، ما احتمل الصدق والكذب؛ (ما) جنس .. اسم موصول بمعنى: الذي يَصدُق على اللفظ، يعني: لفظٌ احتملَ الصدق، لفظٌ: هذا يصدُقُ على المركبات وعلى المفردات، مثل: زيد وعمرو وخالد وبيت ومسجد، وغلام زيد، وزيد قائمٌ، وقام زيد، كلُّها داخلة في قولنا: (ما) لأنها جنس، وهذا شأن الجنس.
احتمل الصدقَ والكذبَ، احتملَ بمعنى: جازَ أن يُوصفَ بهذا، وأن يُوصفَ بمقابله، احتمل الصدق الكذب، احتمل الصدق والكذب أخرجَ المفردات، زيد وعمرو، فإنها لا تُوصَفُ بالصدق ولا تُوصف بالكذب، وأخرج المركَّبات التقييدية والإضافية والتوصيفية والعددية والصوتية، نقول: هذه لا تُوصفُ بكونها صِدقًا أو كذبًا، وإنما اختصَّ بالمركَّبات التامة، الذي يُسمى كلامًا في اصطلاح النحاة، هو الذي يحتمل الصدق والكذب.
لذاته: هذا قيدٌ لا بدّ منه، للإخراج والإدخال، لأننا لو أسقطناه لورَدَ علينا أمران: