هنا قال: وكونُهُ مُعرَّفًا يعني: المسند إليه، قدَّمَ تعليل أو البحث عن كون المسند إليه معرفةً، على كونه نكرةً للسبب الذي ذكرناه؛ وأيضًا لأن المسند إليه في الأصل لا يكونُ إلا معرفةً، وأما المسند كما سيأتي الباب الثالث قدَّمَ النكرة على التعريف، يعني: بحث النكرة كونُهُ منكَّرًا على بحث التعريف، لماذا؟ لأنه لا يُشترَط في المسند إليه أن يكون معرفة، والأصلُ في الاسم التنكير، فناسبَ أن يُقدِّم في كل بابٍ ما هو الأصل فيه، فلمّا كان الأصل في باب المسند إليه التعريف قدَّمَه على التنكير؛ لأن الأصل في المسند إليه أن يكون معرفةً.
ولمّا كان في باب المسند الأصل أنه لا يُشترط فيه التعريف، فحينئذٍ نَرجِعُ إلى أصل الاسم وهو: التنكير، فناسب أن يقدّمُ هنا بحث التنكير على بحث التعريف، إذن: جَعلُ كل شيءٍ في مقامه هو الأصل، فما كان الأصل فيه التعريف يُقدَّم على تنكيره، وما كان الأصل فيه التنكير قُدِّمَ على تعريفه.
وكونه مُعرَّفا، والتعريف عندهم أو المعرفة: ما وُضِعَ ليُستعمَل في شيءٍ بعينه، (ما) : كلمةٌ أو لفظٌ، وضِعَ المراد به: الوضعُ الشخصي جَعلُ اللفظ دليلًا على المعنى، ما وُضِعَ ليُستعمَل، أي: ذلك اللفظ الذي جُعلَ دليلًا على معنىً ما، والاستعمال عندهم: إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، ليُستعملَ في شيءٍ بعينه، كلٌّ من النكرة والمعرفة لا شكّ أنهما موضوعان أو موضوعتان لمعنى، النكرة موضوعة لمعنى. رجل موضوعة لمعنى، والرجل موضوعة لمعنى.
إذن كلٌّ منهما له وضعٌ خاصٌ في لغة العرب، إلا أنّ وضع النكرة ليُستعمَل في شيء لا بعينه، وهو ما يُعبَّرُ عنه بالشيوع، وأما المعرفة فهو: وضعُ اللفظِ ليُستعملَ في شيءٍ بعينه لا يحتمل غيره، فحينئذٍ ثم فَرقٌ بين الاستعمال والوضع.
ما وضِعَ ليُستعمَل، بقي شيء واحد من هذه العبارات عندَهم وهو: الحملُ، فأنّ ثَم ثلاثة أشياء: وضعٌ، واستعمالٌ، وحَملٌٌ، الوضع: جَعلُ اللفظِ دليلًا على المعنى، والحملُ: اعتقادُ السامِع مُرادَ المتكلم مِن كلامه، يعني: عندما تسمعُ قائلًا يقول: قامَ زيدٌ، أنت في نفسِك ماذا تعتقد؟ تعتقدُ ما أراده المتكلم أن يُخبِر عنه بكلامه وهو: ثبوتُ قيامِ زيد في الزمن الماضي، هذا يُسمى ماذا؟ يسمى: حملًا، فهو وصفٌ للمستمع للمخاطب، والوضع: وصفٌ للواضع.
وأما الاستعمال، وهو: إطلاق اللفظ وإرادة المعنى هذا وصفٌ للمتكلم، ولذلك قال صاحب المختصر بالشرح: مختصرٌ التحرير"فالوضعُ سابقٌ، والحملُ لاحقٌ، والاستعمال المتوسِّط"يعني: الأول وُضِعَ: قامَ زيد، ثم استعمله المُستعمِل فيما وُضِع له في لغة العرب، ثم تكلَّمَ به فحمَلَهُ المستمع على ما أرادَ المتكلِّمُ من كلامه.
إذن: هذا هو حدُّ المعنى: ما وُضِع ليُستَعمَلَ، هذا شملَ النكرة، في شيء بعينه: أخرجَ النكرة، فإذن يتّصفُ اللفظ بكونه معرفة، وكونه مُعرّفًا.
قال: بمضمرٍ، نعلمُ أن المعارف متفاوتة، أليس كذلك؟ بعضُها أعرفُ من بعض، وهي مجموعة في ستة أمور أو سبعة أمور على الاختلاف في السابق، على ما ذكَرَه ابن مالك رحمه الله:
فمَضمَرٌ أعرفُها ثم العلمْ فذو إشارةٍ فموصولٌ مُتَمْ
فذو أداةٍ فمُنادى عُيّنا فذو إضافةٍ بها تبيّنا