أو البُعد: (( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ) [البقرة:2] ؛ هذا أتى بماذا؟ باللام والكاف: (( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) ) [البقرة:2] والكتاب هو القرآن، أليس كذلك؟ إن هذا القرآن."ذلك الكتاب"أشارَ له مرةً بالقرب ومرةً بالبعد، والمشارُ إليه شيءٌ واحد فيدلُّ على ماذا؟ على أنه أرادَ في الأول القرب: إن هذا، وهذا فيه تعظيم، أو البُعد: ذلك الكتاب، تنْزِيله مُنَزَلة درجةٍ عظيمة، ورفعةٍ قدرِهِ يعني: ذلك الكتاب، التعظيم هنا من حيث ماذا؟ من حيث رفعة درجته في النفوس، فحينئذٍ يعظِّمه السامع.
ما أُشيرَ إليه بهذه المرتبة التي استُعمِل فيها لفظ (ذلك) وهو للمشار إليه البعيد، ليسَ لبعد أن يتناوله الناس لا، وإنما لمكانته عظيمه وسعة قدرِه.
والحطِّ، يعني: التحقير، والتحقير قد يكونُ بالقرب، وقد يكونُ بالبعد، كما أن التعظيمَ قد يكونُ بالقرب، وقد يكون بالبعد، التحقيرُ بالقرب نحو قوله جل وعلا: (( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ) ) [العنكبوت:64] وما هذه الحياة، هذا قُرب فيه إشارة أو استعمال باسم الإشارة الدالّ على القرب، وهذا فيه نوعُ تحقير؛ لأنه قال: (( إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ) ) [العنكبوت:64] وهذا تحقير.
ومثله: (( أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ) ) [الأنبياء:36] .. (( أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ) ) [الفرقان:41] كلُّه من باب المراد به التحقير ولا يُسلَّم، نَزَّلَ دناءتها مُنَزَلة قرب المسافة، وبالبعد: ذلك الفاسق فعلَ كذا.: هذا أيضًا تنزِيلٌ له مُنَزَلة البعيد حسًا.
والتنبِيهِ، يعني: التنبيه على كونِ المسند إليه جديرا بالأوصاف المذكورة قبلَ اسم الإشارة، ولذلك جاء في أول سورة البقرة: (( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ) [البقرة:3] إلى أن قالَ بعدَ أن ذكر تلك الصفات: (( أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) [البقرة:5] أعادَ اسم الإشارة مرّة بِجَعْل اسم الإشارة للدلالة على أنهم أحقّاء وجديرون بتلك الأوصاف السابقة، هذا كناية، يعني: يُؤتى باسم الإشارة إذا ذَكرت أوصافًا، ثم ذكرت حُكمًا وأردت أن تشيرَ إلى أن هذا الحكم إنما رُتِّب عليهم لوجود تلك الصفات وأنهم أهلها، وهم أحقّاء بها، فتأتي باسم الإشارة.
إذن: التنبيهُ على كون المسند إليه جديرٌ بالأوصاف المذكورة بعدَ المشار إليه: (( أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) [البقرة:5] يعني: تَنبيهًا على أن المشارَ إليهم أحقاء بما يَرِد بعدَ أولئك وهو كونهم على الهدى عاجلًا والفوز بالفلاح آجلًا، من أجل اتصافهم بالأوصاف المذكورة.
والتفخيمِ: هذا زيادة من المصنف على صاحب الأصل؛ لأنه يُكتفى بالتعظيم، قال: والتعظيم والتفخيم هو عينه، فإن كانَ بعضهم يقول: هو زيادة التعظيم، ولا بأس، لمّا ذكرَهُ الناظم نقول: زيادة التعظيم.
والتفخيمٍ، يعني: زيادة التعظيم، مثَّلُوا له بهذا زيدٌ الذي تسمعُ به، تسمعُ بعالم يُثنى عليه في علمه، فإذا رأيته هذا زيدٌ الذي تسمعُ، (هذا) زيادة تعظيم.