فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 828

الثاني: براعة الاستهلال، وهي أن يأتي المتكلِّم في طالعةِ كلامه، يعني: أول كلامه بما يُشعِر بالمقصود، كما قال الناظم هنا أتى بها، وهي أنه قال:

الحَمْدُ للهِ البَديعِ الهادي ... إلى بَيانِ مَهيَعِ الرَّشادِ

بديع: هذا إشارة إلى النوع الثاني، وبيان: هذا إشارة الفن الثاني.

الثالث من المستحبات: تسمية كتابه:

سَمَّيتُهُ بالجوهرِ المَكْنونِ ... في صَدَفِ الثلاثةِ الفنونِ

الرابع:"أما بعد"، وهي مستحبة، قد يُؤتى بها نصًا، وقد يُؤتى بدلها بـ (هذا) :

"هذا؛ وإن درر البيان"،"هذا"... الانتقال من أسلوب إلى آخر، ومن كلام إلى كلام آخر.

إذن: لما افتتح نظمه بالبسملة ثم حمدلَ ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، عطفَ يعني: قال:

ثم صَلاةُ اللهِ ما تَرنَّما ... حادٍ يسُوقُ العِيسَ في أرضِ الحِمى

على نَبِيّنا ...

صلى الله عليه وآله وسلم.

عطَفَ على نبينا؛ قال: ثم على صاحبه، ثم: هذا حرفُ عطف، والأصلُ أنه يفيد الترتيب والتراخي، ولكن التراخي هنا غير مراد، يعني: غير ظاهر، لماذا؟ لأن التراخي الأصل أنه يفيد أن ما بعدَ ثم تالٍ لما قبله، مع مهلة في الزمن، جاء زيد فعمرو، جاء زيدٌ ثم عمرو، ما الفرق بينهما؟ كلاهما يفيدان الترتيب، أن ما قبل الفاء وثم وقعا قبل ما بعدها، ولكن الفاء تدلُّ على أن ما بعدها وقع بعد ما قبلها بلا مُهلة، يعني: ليس بينهما فاصل، جاء زيدٌ فعمروٌ، مباشرة. جاء زيد، فجاء عمرو مباشرة بعده، ليس بينهما فاصل. ليس بينهما مهلةٌ ولا زمن، جاء زيدٌ ثم عمروٌ، ثم هذه للترتيب وتثبت أن عمرًا لم يلِ زيدًا مباشرةً، بل بينهما مهلة وتراخٍ في الزمن.

قد يُراد الترتيبُ في مثل هذا الترتيب الذي معنا، قد يُراد الترتيب، ولكنه رُتبي، يعني: رُتبة ما بعدَه بعدَ ربتةِ ما قبله، لماذا؟ لأنه أثنى على الله أولًا، وهذا استيفاء بحقِّ الخالق جلّ وعلا، إذ هو مقدَّم على حقِّ غيره، الحمد لله. أُثني على الله عز وجل بجميل الصفات على الجميل الاختياري إلى آخره، ثم صلّى على النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ثم صلاة الله، لماذا عطف بـ"ثم"؟ لأن حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم تالٍ لحق الله عز وجل.

وأفضل الخلق على الإطلاقِ نبينا فمل عن الشقاقِ

لما كان من المخلوقين من البشر مَن يستحقُّ الثناء بعد ثناء الله عز وجل كان أشرفُ المخلوقين هو النبي صلى الله عليه وسلم، وأولى مَن يستحقُّ الثناء بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم صحابتُهُ الكرام، إذن: الثناءُ هنا طلبُ الثناء على الصحابة بعد الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم، هذا فيه ترتيبٌ، لأن حق الصحابة تالٍ لحقّ النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك نقول مثلًا بما بدأ بأبي بكر الصديق أفضل الناس بعد الأنبياء أبو بكر رضي الله تعالى عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت