إذن: ثم هنا أرادَ بها العطف على الصلاة على نبينا، ثم على صاحبه، يعني: ثم أسألُ الله جلّ وعلا أن يُثني على صاحبه -صاحب النبي صلى الله عليه وسلم- كما سألتُه أن يُثني على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصلاة كما سبقَ أنها: الثناء من الله على عبدِهِ في الملأ الأعلى، إذا قال العبد: اللهم صلِّ على محمد، ما معنى هذا الكلام؟ اللهم أثنِ على محمد. هذا سؤال من الله عز وجل أن يُثني، إذن: هو طلب من الله أن يُثني على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، ثم سؤال الله جلّ وعلا أن يثني بعد ثنائه على أفضل الخلق أن يُثني على مَن هو أفضل بشرٍ بعد أفضل الخلق، وهو مَن؟ أبو بكر.
قال:"ثم على صاحبه"صاحبه الضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: صاحب النبي، وصاحب هنا بمعنى: الصحابي، والصحابي عند أهل الحديث: هو مَن اجتمعَ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمِنًا به وماتَ على الإسلام ولو تخلّلت ردّةٌ في الأصح، هذا تقييد لابن حجر رحمه الله كما في النخبة:
حدّ الصحابي مُسلمًا لاقى الرسول وإن بلا رواية عنه يقول
هكذا قال السيوطي، حدُّ الصحابي مسلمًا لاقي الرسول، يعني: التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أولى من أن يُقال: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، بعضهم يعرف الصحابي: بأنه من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الرؤية بصرية فحينئذٍ يَخرُجُ مَن؟ عبد الله بن أم مكتوم ونحوه ممن لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم لكونهم عميانًا ونحوه، وقد اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم، والاجتماع واللقيُّ أعمّ من البصر، من الرؤية.
فحينئذٍ أقول: الصحابي هو مَن اجتمعَ بالنبي صلى الله عليه وسلم أو لقيَ النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا جنس. مُؤمنًا به، إذ لو التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر، هل هو صحابي؟ لا.
"به": الضمير هذا هل هو احتراز أم لا؟ هل يمكن أن يلتقيَ بالنبي صلى الله عليه وسلم ويكون مؤمنًا بغير النبي، ممكن أو لا؟ نعم، ممكن أن يلتقيَ بالنبي صلى الله عليه وسلم ويراهُ صباحَ مساءَ ويكون مؤمنًا بعيسى عليه السلام، أو بموسى عليه السلام، نقول: هذا ليس صحابيا، لماذا؟ لأنه وإن التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم أو رأى النبي أو اجتمع بالنبي عليه الصلاة والسلام مؤمنًا لكنه لم يؤمن برسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
وماتَ على الإسلام: أخرجَ مَن لقيَ النبي صلى الله عليه وسلم وآمنَ به ثم ارتدَّ عن الإسلام، ولم يرجع.
ولو تخلّلت ردةٌ: يعني إذا ارتدَّ ثم رجع هل تثبُتُ الصحبة أم لا؟ فيه خلاف، والمرجَّح عند ابن حجر ومَن تبعَهُ أن الصحبة تعود كما كانت قبل ردَّته.