انظر حتى استحضار هذه المعاني الاستغراقية في مثلِ هذه التراكيب على جهة الخصوص يفيدُ الإنسان.
وَعُرْفيٍّ: منسوبٌ إلى عرف الناس، يعني: يسمُّونه في عرفهم: استغراقًا، لا أنه في اللغة دالٌّ على الاستغراق، مثلنا له بما ذكرناه: جمعَ الأمير الصاغة، إذن: العُرفي هو أن يُرادَ كل فردٍ مما يتناولُهُ اللفظ بحسب العُرف، يُرادُ كل فرد، لكن ليس بالوضع اللغوي، وإنما بحسب ما دلَّ عليه العرف.
فحينئذٍ إذا تكلّم المتكلِّم: جمع الأمير الصاغة، حينئذٍ نقول: لم يُرِد كلّ الصاغة، وإنما أراد بعضهم.
وَفي فَردٍ: إذن قَسَّمَ الاستغراق إلى نوعين، ثم قال: وَفي فَردٍ مِنَ الجَمْعِ أَعَمَّ: هنا الاستغراق قد يدلُّ عليه الاسم المفرد، وقد يدلُّ عليه الجمع، وكذلك الاثنين، تركَها اختصارًا، إذن: قد يدلُّ عليه المفرد، وقد يدلُّ عليه المثنى، وقد يدلُّ عليه الجمع، قد يُستفادُ الاستغراق مِن هذه التراكيب، لكن متى؟
عند دخول (أل) فتقول: الإنسان كما ذكرناه، هذا يُفيدُ العموم أليسَ كذلك؟ الرجال يُفيدُ العموم .. العلماءُ يُفيدُ العموم:
الجمع والفرد المعرفان باللام كالكافر والإنسان ..
إذن: مَدخُول (أل) يُفيد الاستغراق .. يعني: تفيدها (أل) للاستغراق إذا كان مفردًا، وإذا كان جمعًا، وإذا كان مثنى: الطالبان المجدّان لهما كذا، أي طالبين؟ كلُّ طالبين يَصدُقُ عليهما هذا الوصف، العلماء العاملون كذا، حينئذٍ تقول: العلماءُ كلُّ عالمٍ، أليس كذلك؟
(( أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ ) ) [النور:31] أو الطفل: هذا في اللفظ مُفرد، ولكنه عامٌّ، بدليل؟ بدليل نعتِهِ، أو الطفل الـ .. ، يُشترَط في النعت أنه يُطابِق منعوته إفرادًا وتثنيةً وجمعًا، أو الطفلِ: هذا منعوت، الذين، نقول: هذا جمعٌ، كيف؟! نقول: مُراعاةً للمعنى، أو الطفلِ أو الأطفال، فدلَّ على أن مدخولَ (أل) وهو الطفل، هذا أفادَ العموم، هذا في غير النفي.
أما في النفي، لو قلت: لا رجلَ في الدار، إذن: مدلولُهُ قبل ذلك .. مدلولُ المفرد والمثنى والجمع إذا كان محلىً بـ (أل) في الإثبات، كلّها درجة واحدة، أليس كذلك؟ يُفيدُ العموم، هل بعضُها أعمّ وأكثرُ استغراقًا من الآخر؟ لا، كلّها متساوية.
هنا يقول: وَفي فَردٍ مِنَ الجَمْعِ أَعَمَّ، يعني: الاستغراق في المفرد أعمُّ منه في الجمع، إذن: فرّقَ بين استغراق المفرد، وبين استغراق الجمع، إذن: المفردُ أكثر استغراقًا من الجمع، ونحن ذكرنا الإثبات فحينئذٍ يُحمَلُ كلامُ الناظم هنا على ماذا؟ على النفي، ليسَ على إطلاقه هكذا.
وَفي الفَردٍ، يعني: في المفرد، وَفي فَردٍ، يعني: الواو هنا للاستئناف، كلامٌ مستقلّ، وَفي فَردٍ، أي: استغراقُ المفرد أعمُّ من الجمع، يعني: أشمل من الجمع، فإذا قلت: لا رجلَ في الدار، وإذا قلتَ: لا رجالَ في الدار، أيهما أعمُّ؟ لا رجلَ في الدار أعمُّ، لماذا؟ إذا قلت: لا رجالَ في الدار: هنا نفيت ماذا؟ نفيت الجمع، وأقل الجمع ثلاثة، إذن: لا رجالَ في الدار قد يكون فيه واحد، وقد يكون فيه اثنان، والمنفي ثلاثة فأكثر. المنفي: لا رجال في الدار، ليس فيه رجال إنما فيه رجل واحد، وفيه رجلان.