الاسْتِغْراقَ: الذي ذكرناه الاستغراق بمعنييه الحقيقي والعُرفي، الحقيقي الذي يُرادُ به كلُّ فردٍ فردٍ على جهة الحقيقة، كقوله: (( إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) ) [العصر:2] والعُرفي الذي هو المجازي، الذي لا يُرادُ به إلا بما كانَ في عُرف المتكلم: جَمعَ الأمِيِرُ الصاغَةَ، صاغة مَن، العَاَلمَ كلّه أو بلده؟ مَن أخبرك بأن المراد به صاغة البلد؟ العُرف.
إذن: ليس المراد كلّ فردٍ فردٍ من مدخول الصاغة، وإنما المراد به: جمعَ الأمير الصاغة، ليس المراد كل مَن كان في العالم لا، إنما المراد كل بمن كان في بلده.
لكِنَّ الاسْتِغْراقَ فِيهِ يَنْقَسِمْ: فيه، يعني: في دلالة اللام على الاستغراق، إذن: اللام تدلُّ على الاستغراق، والمراد بالاستغراق الشمول، الذي هو المعنى العام:
ما استغرقَ الصالحَ دَفعةً بلا حَصرٍ من اللفظ كعَشر مثلًا
هكذا عرفه في مراقي السعود، هذا هو الاستغراق.
قد تدلُّ (أل) على الاستغراق، فيكون مِن صِيغ العموم، ولو كان حرفًا، هناك يُقالُ مثلًا في الموصولات أنها من صيغِ العموم، أليسَ كذلك؟ ومنها (أل) ، كل (أل) أم (أل) الموصولة؟ (أل) الموصولة، ثم (أل) الحرفية إذا أفادت الاستغراق دخلت في صيغِ العموم، إذن: (أل) الموصولية مِن صِيغِ العموم، و (أل) الحرفية التي تُفيدُ الاستغراق مِن صيغِ العموم، إذن: مُترابطة، إذن البيان هنا أفادك في فن أصول الفقه.
وكونُهُ باللاّمِ في النّحوِ عُلِمْ ... لكِنَّ الاسْتِغْراقَ فِيهِ يَنْقَسِمْ
إلى حَقِيقيٍّ وَعُرْفيٍّ وَفي ... فَردٍ مِنَ الجَمْعِ أَعَمَّ فَاقْتَفي
لكِنَّ الاسْتِغْراقَ فِيهِ: فيه، يعني: في دلالة اللام، يَنْقَسِمْ إلى حقيقيٍّ: وهو أن يُرادَ كلّ فردٍ ما يتناولُهُ اللفظ بحسب اللغة .. أن يُرادَ كلُّ فردٍ من اللفظ بحسب ما دلَّ عليه الوضع اللغوي: (( إِنَّ الإِنسَانَ ) ) [العصر:2] الإنسان نقول: في لغة العرب، (أل) هذه استغراقية، ووضعُ (أل) للدلالة على الاستغراق ليس وضعًا عقليًا، وإنما هو وضعٌ لُغوي، يعني: صاحبَ اللغة هو الذي وَضع (أل) دالةً على الاستغراق.
حينئذٍ هو الذي أرادَ بمدخول (أل) في قوله: (( إِنَّ الإِنسَانَ ) ) [العصر:2] أرادَ كلَّ فردٍ فردٍ، بدليل ماذا؟ بدليل أنه استثنى منه، وإذا جاءَ في القرآن صارَ هو أعلى القواعد مما يقعِّدُهُ النحاة من الشعر ونحو ذلك، فإذا جاء في القرآن مثل هذا التركيب: (( إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ) ) [العصر: 2 - 3] إذن: حصلَ الاستثناء من لفظٍ مُفرد في ظاهره، الإنسان في الظاهر أنه مُفرد، أليس كذلك؟ لكن في المعنى والمدلول المراد به كلّ فردٍ فردٍ.
إذن: الاستغراقُ ينقسم إلى استغراق حقيقي منسوب إلى الحقيقة، وهو أن يُرادَ كلّ فردٍ مما يتناولُهُ اللفظ بحسب اللغة، مثَّلوا في الشرح وفي غيره، السيوطي وغيره: (( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ) ) [الأنعام:73] عالم الغيبِ، يعني: كلّ غيب، والشهادة يعني: كلّ شهادة، هذا مِن صيغ العموم، إذن: الغيبُ والشهادة، (أل) هنا استغراقية، استغراق حقيقي؟ نقول: نعم، كلّ ما هو غَيبٌ فالله يعلمه. كل ما هو شهادة فالله يعلمه.