النوع الثالث من الجنسية: أن تكونَ لصفات الأفراد: أنتَ الرجل عِلْمًا .. أنتَ الرجل كَرَمًا .. أنت الرجل تواضُعًا، أنت الرجل عِلْمًا: الرجل ما المراد هنا .. كل الرجال؟ هذا ما يمكن، هل جَمعتَ عِلْم كل الرجال؟! ما يجتمعُ عِلْمُ كل الرجال في رجلٍ واحد، أليس كذلك؟ إذن: ما المراد؟ مبالغة هو مجاز، إذن: المراد ليس الأفراد عين الأفراد، وإنما المرادُ صفات الأفراد: أنتَ الذي جمعتَ صفات الرجال المحمودة هذا المراد، وليس المراد المحكوم عليه كل الرجال. لا، وإنما أنتَ الذي جَمعتَ أو جُمعت فيك صفات الرجال المحمودة، حينئذٍ نجعل (أل) هذه للاستغراق، لكنها ليست لاستغراق الأفراد كل الأفراد وإنما لاستغراق صفات الأفراد.
وهذه ضابطُها: أنه يصحُّ حلولُ (كل) محلّها مجازًا لا حقيقةً، لو قال على جهة المبالغة والمجاز: أنتَ كل رجلٍِ عِلْمًا صحَّ مجاز، لا على جهة الحقيقة، أن يصح أن يطلق العام مرادًا به البعض، أليس كذلك؟ (( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ ) ) [آل عمران:173] سبقَ معنا أنه مجاز؛ لأنه استُعمل اللفظ في غير ما وُضِعَ له في لغة العرب، أليس كذلك؟
ولا يصحُّ الاستثناء من مدخولها عكس الأولى، (أل) التي لاستغراق الصفات لا يصحُّ الاستثناء من مدخولها: أنت الرجل عِلْمًا إلا كذا، ما يصح.
هذه ثلاثة أنواع لـ (أل) الجنسية.
في النحوِ دُرِي: ذكرناه في شرح الملحة مُفصّلة أوسع من هذه فليُرْجَع إليها.
وكونُهُ باللاّمِ .. كونه، أي: المسند إليه، مُعرَّفًا باللام، أي: العهدية الخارجية، أو الجنسية على التفصيل الذي ذكرناه.
في النّحوِ عُلِمْ، يعني: يُعلَمُ مُرجِّح كون المسند إليه باللام في فنّ النحو، فيذكرون هذه المعاني كلّها، العهدية .. الخارجية إلى آخره، إلا الاستغراق فالغالب ما يذكرونه في كتب النحو، ولذلك احتاج المصنف هنا ليذكره، فأحالَ ما يمكن معرفته من فن النحو، وذكر ما لا يمكن إلا في هذا الفن.
لما كان الغالبُ في كتبِ النحو أنهم لا يتعرَّضون للاستغراق الذي تدلَّ عليه (أل) وهذا صحيح، في الغالب لا يتعرضون لذلك احتاجَ الناظم أن يَذكره، ولذلك قال:
لكِنَّ الاسْتِغْراقَ: (لكنَّ) للاستدراك، إذن: استدرك، ليس كل ما تدلُّّ عليه (أل) تأخذه من فن النحو لا، بل بعضه يُذكَرُ في فن البيان، وهذه العلوم كلها متعاونة .. مترابطة كالبيت الواحد، النحو والصرف والبيان، وانفكاكُ واحد عن الآخر كالذي يريدُ أن يَسكُن بيتًا بلا سقف، أو بلا جدران، أو بلا أعمدة، كلّها مترابطة.
ومع الشريعة أشدّ ارتباط، يعني: عِلْم الوحيين أشدّ ارتباط، عِلْمُ وحيين بدون أساس في اللغة هذا هباء، يعني: مَن أراد التحقيق، أو يكون من المجتهدين، قد يمكن أن يأخذ الصور الثلاثة يحفظ كتاب، ما يحتاج أن يعرف هذا مبتدأ .. لا يوجد إشكال الكلام في طالب العِلْم الذي يقصد التبحر في العلم، ويكون له اتجاه خاص.
لكِنَّ الاسْتِغْراقَ: ذكرَ هذا التفصيل ولم يُحله على النحو؛ لأنهم لا يبحثون عنه غالبًا.