وليس بيني وبينك أيها المخاطب عَهدٌ ما، فإن كان عَهدٌ ما، فحينئذٍ صارت (أل) هذه للعهد الذهني، هنا قال في الشرح وغيره: الإشارةُ إلى الحقيقة باعتبارِ وجودها في بعض الأفراد غير معين، حينئذٍ تكون (أل) موضوعة للحقيقة المتحدة في الذهن، وإنما أُطلِقَ على الفرد الموجود في الخارج باعتبارِ أن الحقيقة موجودٌ فيه، فجاءَ باعتبار الوجود لا باعتبار الوقت.
فقوله: ادخُل السوق، المراد به سوقٌ واحد لا بعينه، من أين جاءَ التحديد هذا؟ هل باعتبار الوضع، أم باعتبار الوجود؟ باعتبار الوجود لا باعتبار الوضع، ومثله: (( وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ) ) [يوسف:13] كلُّ الذئاب أم ذئبٌ معيَّن، أم ذئب غيَّر معين؟ الثالث (( وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ) ) [يوسف:13] أيُّ ذئب؟ ليس كل ذئب، وليس المراد حقيقة الذئب، إذن: لا بدّ أن يُصرَفَ المعنى إلى ذئبٍ فردٍ غير معين.
وهذا النوع في المعنى كالنكرة: (( وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ) ) [يوسف:13] يعني: أن يأكلَهُ ذئبٌ، في المعنى نَكرة؛ لأنه يَصدُقُ على كلِّ ذئبٍ ذئبٍ على جهة البدل لا على جهة الشمول، فحينئذٍ نقول: هو في المعنى كالنكرة، ولذلك صحَّ وصفه:
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني ..
ما إعراب يُسبني؟ صفة، والجمل بعدَ المعارف أحوال، واللئيم: هذا محلى بـ (أل) ، لماذا وُصِف اللئيم وهو محلى بـ (أل) وهو معرفة في اللفظ؟ نقول: لأنه في المعنى نكرة، ما المراد: ولقد أمرُّ على اللئيم؟ لئيم: فردٌ متّصفٌ بهذا الوصف، مُشتمِلٌ على اللؤم حينئذٍ يسبني، نقول: هذا صفةٌ للئيم.
وهذا النوع في المعنى كالنكرة باعتبار القرينة، ولذا عُومِلَ معاملتها في الوصف بالجملة، ومنه: ولقد أمرُّ على اللئيم يسُبّني، ومنه أيضًا: (( وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ) ) [يس:37] نسلَخُ: الجملة في محلّ رفع صفة لليل، والليل: هذا محلى بـ (أل) وكيف أعربنا الجمل بعد المحلى بـ (أل) وهو معرفة .. أعربناه صفةً وهو في الأصل أنه يُعربَ حال؟ نقول: لأنّ الليل في المعنى نكرة: كالنُكرِ معنىً .. كما قال السيوطي رحمه الله تعالى.
وإن كان في اللفظ يجري عليه أحكامُ المُعَرَّف مِن الابتداء به، وتأتي منه الحال، ويكون وَصفًا للمعرفة وموصوفًا بها ونحو ذلك.
من جهة اللفظ إذن له حُكمان: من جهة اللفظ حينئذٍ يكونُ كالمُعَرَّف بل هو مُعرَّف فيبتدأ به؛ لأنه معرفة، وتأتي الحال منه؛ لأنه صحاب الحال يُشترَط فيه أن يكون معرفة، وكذلك يكون صِفةً للمعرفة ويُوصَفُ بالمعرفة، لكن من جِهة المعنى: لقصد الشيوع وهو أنه فَردٌ غير مُعين صارَ كالنكرة، ولم يكن نَكرة؛ لأن ثَم فَرقًا بينهما .. فرقٌ دقيق ترجعون للشروح والحواشي.
إذن نقول: هذا المعنى عناهُ بعضُهم: بأن المرادَ به أن تكون (أل) موضوعة للإشارة إلى حقيقةِ، هذه الحقيقة موجودة في بعض الأفراد لكنها غير معينة .. غير مميزة فلو قيل: اشرب الماء وكل الخبر .. ادخل السوق .. اذهب البيت، لا نقول: (أل) هذه للحقيقة، ولا تَشملُ كل فردٍ من أفراد مَدخُولها، بل المراد به واحدٌ غير معين، واضح هذا؟
هذا ما يتعلّقُ بما ذكرناه بالأمس، وثَم الأقسام الأخرى كما ذكرناه.
قال: