فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 828

اوْ مجازٍ: كما أنه لدفعِ توهُّمِ السهو والنسيان، كذلك يُؤكَّدُ لتوهم دفع المجاز، وهذا ذكرناه معنا في النحو، جاء زيدٌ نفسُه، قلنا: سببُ التأكيد هنا أنه إذا قال: جاء زيدٌ يحتمل المجاز، أنه كتاب زيد، أو رسول زيد، أو ابن زيد ونحو ذلك، وحذفَ المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مقامه، أليس كذلك؟ هكذا يقولون، فحينئذٍ جاءَ بالتوكيد المعنوي، فقال: جاء زيدٌ نفسُهُ، فنفسُهُ دفعت احتمال المجاز .. إرادة المجاز، جاء زيدٌ عينه، نقول: دفعَ توهّمَ احتمال المجاز، هكذا يقولون.

والصوابُ أنه يقال ماذا؟ يقال: أن هذا الاحتمال احتمالٌ عقلي، لكنه ضعيف، والأصل حملُ اللفظ على حقيقته، هذا الأصل، ولذلك أوَّلوا: (( وَجَاءَ رَبُّكَ ) ) [الفجر:22] لماذا؟ قالوا: لأنه يحتمِلُ، (( وَجَاءَ رَبُّكَ ) ) [الفجر:22] أي: رسول أو ملك، لم يأتِ بذاته جلّ وعلا، فنفوا المجيء بسببِ دعوى المجاز في مثل هذا التركيب، نقول: والصواب أنه الأصل يُحمَل على حقيقته، حتى في قولنا: جاء زيدٌ نفسه، لو أُكِّد نقول: الأصل أنه جاء زيدٌ يعني: ذاته، هذا الأصل فيه.

وإذا أُرِيد أن ثَم مضافًا قد حُذف حينئذٍ لا بد من قرينة، وأين القرينة هنا إذا قيل: جاء زيد؟ لا يصحُّ حمله على المجاز، جاءَ زيد، يعني: رسوله، هل يصحّ أن نحمله على مجاز؟ نقول: المجاز هو استعمال اللفظ في غير موضعه بقرينة، أينَ القرينة؟ لا وجودَ لها، إذن: دعوى أنه (( وَجَاءَ رَبُّكَ ) ) [الفجر:22] هذا من قبيل المجاز، نقول: هذا باطل، ليس بصواب.

ودعوى أن قوله: جاءَ زيدٌ يحتمل المجاز احتمالًا ظاهرًا بينًا، نقول: هذا ليس بصحيح، بل الصوابُ أنه يُحمَل على أنه ذات زيد، جاء زيد، واحتمال أنه رسولُهُ أو غلامُهُ أو إلى آخره، نقول: هذا احتمالٌ مرجوح لا بدّ من قرينة ترجِّح هذا المعنى.

مِنْ ظنِّ سَهْوٍ اوْ مجازٍ، يعني: دفع توهم مجاز، وهذا خصُّوه بالتوكيد المعنوي.

اوْ خُصوصْ، يعني: دفع توهمِ التخصيص وعدم الشمول، جاء القوم: هذا يحتمل أنه مِن إطلاق اللفظ وإرادة البعض، إذن: يَحتمِلُ أنه مجاز، وليس المراد به الشمول، جاء القومُ كلُّهم، إذن: احتمال عدم إرادة الشمول ارتفعت بقولنا: كلهم، وهو توكيدٌ.

وأكَّدُوا تَقرِيرًا اوْ قصدَ الخُلُوصْ ... مِنْ ظنِّ سَهْوٍ اوْ مجازٍ اوْ خُصُوصْ

هذه معاني تتعلق بالتأكيد، ويأتي إن شاء الحديث عن عطف البيان والبدل وما يتبعهما.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت