قال السيوطي رحمه الله على تقرير هذه القاعدة:"وهو حكمٌ واضِحٌ يقضي به الذوقُ واستعمالات العرب"لأن المناطقة يتكلمون في هذا، هو ما يريد أن يثبتَها على طريقة المناطقة، وإنما يُريد أن يثبتَ هذه القاعدة أنه مما جاء به لسانُ العرب، وأن الذوق .. ذوق العربي الفصيح يُدرِك هذا من لسان العرب، حينئذٍ لا نحتاجُ إلى كل مجموع، وكلية، وجزئية، ومهملة، فالقوة السلبية، إلى آخر ما يذكرُهُ بعض البيانيين.
وإلا صاحب التلخيص وغيره ذكروا هذه على قاعدة المناطقة، المناطقة يقولون:"لفظة (كل) إذا اقترنت بحرف سلبٍ فإن كان حرف السلب قبلَها .. لفظة (كل) إن اقترن بحرف سلب، فإن كان حرف السلب قبلها فهو من الكلّ المجموعي"هكذا يُقال فيه، فلا يقعُ الحكم على الموضوع إلا مجموعًا، ولا يتبعُ كلّ فردٍ من أفراده نحو:
ما كلُّ ما يَتمنى المرءُ يدركه ..
صحيح هذا؟ قد يدرِك المرء بعضَ ما يتمنّاه، إذن: ما المراد هنا؟ سلبُ العموم نعم.
ما كلُّ ما يَتمنى المرءُ يدركه .. نعم صحيح، يتمنى أشياء مئة أمنية فتحصلُ له خمس، والباقي أحلام اليقظة! إذن: هذا صارَ من ماذا؟ من سلبِ العموم، ما كلّ بيضاء شحمة! والشحمة بيضاء، ما كلَّ مدوَّرٍِ كعكة، فقد تكون البيضاء شحمة، وقد يكون المدوَّر كعكًا، وهذا يُسمى سلب العموم.
وإن كان حرفُ النفي بعد لفظة كل فهو من الكلية، يعني: الذي يتبعُ:
وحيثما لكل فردٍ حُكم فإنه كليةٌ ..
حينئذٍ يتبعُ الحكمُ كلَّّ فردٍ فردٍ من أفراد الموضوع، فهو من الكلية، فالحكمُ بالمحمول على الموضوع شاملٌ لكلّ فردٍ، نحو:
قد أصحبتْ أمُّ الخيارِ تَدّعي عليّ ذَنبًا كلّه لم أصنعِ
يعني: كلّ ما يمكن أن يُسمى ذنبًا فهو منفي.
ومنه حديث ذي اليدين: {كل ذلك لم يكن} كل ذلك، قدّمَ (كل) على حرف السلب، {كل ذلك لم يكن} يعني: لم أنسَ ولم تُقصَر الصلاة، هذا على خلاف ما ذكره صاحب السنة:
ككلِّ ذاك ليس ذا وقوعِ ..
جعلُهُ من الكل المجموعي بل بعضه، وهنا نقول: لا، بل هو من الكلية، كما ذكرناه سابقًا.
إذن: يُفيد تقديم المسند إليه التعميم، متى؟ إن صاحب المسند حرفَ السلب: كل إنسان لم يأتِ، إذ ذاك، يعني: مصاحبة المسند لحرف السلب مع تقدُّم لفظة (كل) يقتضي عموم السلب .. يسمى: عموم السلب، بخلاف: سلب العموم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ... !!!