لما، يعني: للنكات، التي تقدَّما: الألف هذه للإطلاق، لما، أي: مِن النكت في حذفِ المسند إليه المتقدِّمة الذكر، وسبَقَ هناك أنه قد يُحذَف المسند إليه للاحتراز عن العبث، كذلك هنا يقالُ في المسند: أنه يُحذَف احترازًا عن العبث، بمعنى: أن ذكرَه لا فائدة فيه .. لا فائدة من ذكرِهِ، فيُحذَف احترازًا عن العبث، أي: الإتيان بما لا فائدة فيه للعلم به، نحو خرجتُ فإذا زيدٌ، خرجتُ فإذا: هذه الفاء تُسمّى فُجائية بضم الفاء، فإذا زيدٌ .. خرجت فإذا زيدٌ، يعني: حاضرٌ، الخبر حاضر زيدٌ هذا مبتدأ وهو مسندٌ إليه، وحاضرٌ هذا المسنَد، حاضِرٌ: لو لم تذكرها لعُلِمَ من المقام؛ لأن فإذا هذه للفجائية، خَرجتُ فإذا زيدٌ، من هذا الكلام نفهمُ أن زيد حاضر.
حينئذٍ لو صُرِّحَ بالمسند وذُكِرَ لصارَ فيه نوع عبث، يعني: زيادة .. حشو لا فائدة منها، ولو ذُكِرَ نقول: على الأصل لكنه خالف البلاغة، وإلا لو قال: فإذا زيدٌ حاضرٌ، إلا إذا كان المقام مقام حذف الخبر وجوبًا، حينئذٍ طردًا لما نُقِلَ عن العرب يجب حذفُهُ، أما إذا جازَ الوجهان نقول: لو كان عبثًا كما لو قال: مَن جاء؟ قال: زيد، هذا حذَفَ المسند، ولو قال: جاء زيدٌ، أعادَ العامل نقول: هذا عبث، لماذا؟ لأنه معلومٌ من قرينة السؤال، لكن لو صَرَّحَ به قال: جاء زيدٌ، نقول: لا مانعَ لكنه خالف القاعدة البيانية، ولم يخالف القاعدة اللغوية الأصلية، وهي فهمُ العرب.
إذن: يُحذَف المسند لنكتٍ منها: الاحتراز عن العبث، أي: الإتيان بما لا فائدة فيه للعلم به، نحو خرجتُ فإذا زيدٌ، أي: حاضِرٌ، فحاضرٌ: هذا مُسنَدٌ محذوفٌ للعلم به، وزيدٌ في جواب مَن قام، زيد .. مَن قام؟ زيد، لو قال: قام زيد، نقول: هذا فيه حَشوٌ.
ويُحذَف أيضًا لضيق المقام، كقول أبي الطيب:
قالتْ وقد رأتِ اصفراري من به وتنهَّدت فأجبتها المتنهدُ
أي: المتنهِّدُ هو المطالب به، هذا من بابِ ضيقِ المقام، يعني: ضرورة الشعر، أو أنه لا يستطيع أن يأتي بالمسند في النظم.
وأيضًا يُحذَف المسند لقصدِ الاختصار والعدول إلى أقوى الدليلين، واختبارِ تنبُّه السامع، ومقدار تنبهه، كل ما ذُكِرَ في المسند إليه يُذكَر في باب المسند.
يحذف مسندٌ لما تقدَّما: إذن لكل النكات السابقة التي سبَقَ ذكرها في باب المسند إليه يُحذَفُ المسند لها، ولكن يُزادُ بأنه قد يُحذَفُ بكون المسند قد جاءَ حذفُهُ في المثل، كلُّ رجلٍِ وضيعتُه، كل: هذا مبتدأ، ورجلٍ: مضاف إليه، وضيعتُهُ: بالرّفع معطوف على كلّ، أين الخبر؟ مقترنان .. محذوف، لماذا؟ هكذا .. جريًا مجرى المثل، وهنا واجب الحذف أو جائز الحذف؟ واجب الحذف، هذا مِن المواضع التي يجبُ فيها حذفُ المسند، وقد يكون مثلًا كقولهم: كلُّ رجلٍ وضعيته، أي: مقرونان أو مقترنان.
أو جاريًا مجرى المثل، كقولهم: ضربي زيدًا قائمًا، ضربي: مبتدأ، زيدًا: هذا مفعول به، الخبر حاصلٌ، هذا واجبُ الحذف أيضًا، قائمًا ما إعرابها؟ حال .. التقدير يكون، ضربي زيدًا حاصلٌ إذا كان قائمًا .. إذا جُعلت (كان) تامّة، إذا كان قائمًا، هذا التقدير الذي ذكرَهُ ابن هشام وغيره.