فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 828

إذن: يحذَفُ مسندٌ لما تقدّم، ويزاد عليه بأنه قد يكون مثلًا فيجبُ حذفُهُ لكونه مثلًا، أو جاريًا مجرى المثل كقوله: ضربي زيدًا قائمًا، إذن: يُحذَفُ المسند مع وجود المسند إليه، وحذفُهُ قد يكون نصًّا، بمعنى: أنه يُعلَم أن المسند هو المحذوف، وقد يكون محتمِلًا لأن يكون المسند هو المحذوف أو المسند إليه، وجوَّزوا الوجهين في قوله تعالى: (( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) ) [يوسف:18] :

ويحتمل كليهما صبرٌ جميل وقد نُقِل ..

صبرٌ جميل، صبري .. صبرٌ جميل، صارَ خبر لمبتدأ محذوف، صبرٌ جميل أجمَلُ به، ما الذي حُذِف؟ الخبر، إذن: جاز الوجهان: حذفُ المسند إليه المبتدأ، أو المسند، وعليه نقول: قد يكون حذفُ المسندِ الذي هو الخبر نصًّا لا يحتمِلُ غيره، وقد يكون محتمِلًا لغيره، وحينئذٍ إذا احتمَلَ غيره، أيهما أولى؟ إذا دارَ الحكم في كونِ المحذوف المسند إليه أو المسند، أي القولين أولى؟ فيه قولان للنحاة.

قيل: الأولى أن يُجعَلَ المسند إليه، لماذا؟ لأن المسند هذا محطُّ الفائدة، إنما جِيء به للفائدة، وغيرها يعني الفائدة، لا يمكن أن يدلَّ على هذه الفائدة غيرُ ذكر المسند، قام زيدٌ، لو حُذِفَ قام لا يمكن أن يُدَلَّ عليه، زيدٌ قائمٌ، من القائم؟ قال: زيد .. زيدٌ القائم، حَذَفَ المسند.

لو حُذِفَ المسند لما دَلَّ المسندُ إليه على ما دلَّ عليه المسند، لذلك قالَ ابن مالك:

وَالْخَبَرُ الْجُزْءُ الْمُتِمُّ الفَائِدَهْ ..

إذن: لا فائدة إلا بذكر المسند، إذن قال بعضُهم: لكون المسند هو محطّ الفائدة لا يجوز حذفُهُ .. ليس لا يجوز حذفه، وإنما إذا دارَ الأمر بين كون المحذوف هو المبتدأ أو الخبر رُجِّحَ المبتدأ، يعني: في الآية السابقة: (( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ) ) [يوسف:18] قلنا: يجوز الوجهان، لكن الاختيار يكون لماذا؟ هل الاختيار أن يكون المحذوف هو المسند إليه المبتدأ، أو المسند؟

قالوا: الأولى أن يُجعَلَ المحذوف هو المسند إليه، لماذا؟ لكونِ المسند إنما جِيء به للفائدة، فهو محطُّ الفائدة فالأولى أن يكون هو المذكور، وقيل العكس: الأولى أن يكون المحذوف هو المسنَد، لماذا؟ لكون المسند الذي هو المسند إليه الذي هو المبتدأ عامِلًا، زيدٌ قائمٌ، قائمٌ: هذا مرفوع بزيد، والعامل أولى بالذكر من حذفِهِ.

ثانيًا: قالوا الحذفُ في الأواخِر أليقُ وأكثرُ في لسان العرب .. الحذفُ في الأواخر أكثر من حذفِهم في الأوائل، فلذلك كان الأولى أن يكون المسند هو المحذوف، والصوابُ القول الأول: أنه المسند إليه أن يكون أولى هو المحذوف، ولذلك الأكثرُ في لسان العرب حذفُ المسند، ولذلك قال بعضهم: حذفُ المسندِ إليه أكثرُ من حذفِ المسند باستقراء كلام العرب، وإذا دارَ الأمرُ كذلك في الأكثرية فيكونُ الحملُ عند التردُّد على ما كان أكثر، فالحمل عليه أولى.

وقيل: المبتدأ عامل والحذف من الأواخر أولى.

يُحذَفُ مُسنَدٌ لما تَقَدَّما ... والتَزمُوا قَرينَةً لِيُعْلَما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت