فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 828

والتزموا مَن؟ العرب، أو حكمَ النحاة بوجوبِ التزام قرينة، يعني: ليسَ الحذفُ اعتباطًا هكذا، لا بدَّ من شيء يبقى في الكلام يدلّ على المحذوف، ليفهم ذلك المحذوف، لأنه لو لم يدلُّ عليه شيء لكان إسقاطه ووجوده سواء، فحينئذٍ لا بدّ من إقامة شيءٍ إمّا في نفس الكلام الذي حُذِفَ به المسند، أو في مقابله.

والتزموا، أي: في الحذف، قرينةً دالّةً على المحذوف ليُفهَم المعنى، لذلك قال: لِيُعْلَما، اللام هنا للتعليل، لِيُعْلَما، أي: ذلك المحذوف عند حذفِهِ، لِيُعْلَما: الألف هذه للإطلاق، إذن: شرطُ الحذفِ قرينةٌ دالّة عليه، وهذه القرينةُ إمّا سؤالٌ مذكور محقَّق، فيُحذَفُ من جوابه، يعني: المسند، بقرينة ذكرِهِ في السؤال، ذُكِرَ بالفعل في السؤال، مَن جاء؟ زيد، زيد هنا مُسنَد إليه، أين المسند؟ محذوف، لماذا حذفتَهُ؟ للقرينة، ما هي القرينة؟ ذِكرُ المسند نفسه في السؤال، من جاء؟ هذا السؤال، ذكَرَ المسند جاء، إذا أجبتَ تقول: زيدٌ، حذَفت المسند لكونه مذكورًا في السؤال محقق بالفعل، يعني: منطوقًا به صراحةً، أو مقدَّر، يعني: السؤال يكونُ غير ملفوظ به، لكنه مقدَّر من لسان الحال كما يقال.

مثَّلَ بعضهم للسؤال المحقَّق بقوله تعالى: (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ) [لقمان:25] الله بالرفع، ما إعرابه؟ فاعلٌ لفعلٍ محذوف، الفعل المحذوف هو المسند، لماذا حُذِف؟ لكونه واقعًا في جواب سؤال، هل هذا السؤال محقَّق أم مقدَّر؟ محقق: (( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ) [لقمان:25] أي: خلقهن الله، فاللهُ هذا فاعلٌ لفعل محذوف لا مُبتدأ، بدليل التصريح به في آية أخرى: (( لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ) ) [الزخرف:9] فلمّا صُرِّحَ به في آية أخرى دلَّ على أن المحذوف هنا فاعل وليس مبتدأ.

ومثَّلَ بعضهم بالسؤال المقدَّر بقول الشاعر:

ليُبكَ يزيدُ ضارِعٌ لخصومةٍ ومختبطٌ مما تطيحُ الطوائحُ

ليُبكَ يزيدُ ضارعٌ: هذا محلُّ الشاهد، ليبك: هذا فعل مغير الصيغة، واللام هذه لام الأمر، ليبكا .. مجزوم، يزيد: هذا نائب الفاعل، ضارِعٌ: هذا فاعلٌ لفعلٍ محذوف، ضارِعٌ لو قالَ قائل: لم رُفِعَ؟ تقول: هذا فاعلٌ لفعلٍ محذوف، كأنه قال: مَن يُبكيه، ليُبكَ يزيدُ، هنا لا بد من باكٍ؛ لأن يزيد قالوا: كان مَلجأً للأذلاء وعونًا للضعفاء، إذا مات لا بدّ من باكٍ، هكذا المحسِنون، هكذا العلماء الأصل إذا ماتَ لا بدّ من باكٍ، يبك يزيدُ، من يبكيه؟ ضارِعٌ .. متضرِّعٌ إليه كان عونًا له إما ذليلًا وإما ضعيفًا.

ليُبكَ يزيدُ ضارعٌ: ليُبك يزيدُ، من يبكيه؟ قال: يبكيه ضارِعٌ، ضارعٌ: هذا فاعلٌ لفعلٍ محذوف، تقديره: يُبكِيه ضارعٌ، ما الذي جوَّزَ له الحذف؟ وقوعُهُ في جواب سؤال، هذا السؤال هل هو منطوق به محقَّق أم مقدَّر؟ مقدر، واضح الشاهد؟ ليُبكَ يزيدُ ضارِعٌ، ضارِعٌ هذا وقعَ في جواب سؤال، ولذلك جازَ حذفُ المسند الذي هو الفعل، وهذا سؤالٌ مقدّر وليس بمحققٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت