فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 828

إذن: والتزموا قرينةً، لا بد من قرينةٍ، حينئذٍ يجوزُ حذفُ المسند، وهذه القرينة: أن يقع في جواب سؤالٍ إما أن يكون محقَّقًا بمعنى: أنه منطوقٌ به بالفعل، وإما أن يكون مقدَّرًا.

يُحذَفُ مُسنَدٌ لما تَقَدَّما ... والتَزمُوا قَرينَةً لِيُعْلَما

الحذفُ قلنا: قد يُحذَفُ الفعل، قامَ زيدٌ، من جاء؟ زيدٌ حذفتَ الفعل، وقد يُحذَفُ خبر المبتدأ، خبر المبتدأ في الأصل ولو بعدَ دخولِ الناسِخ، أم حتى بعد دخولِ الناسخ؟ بمعنى: أن خبرَ إن وخبرَ كان هل يجوزُ حذفُهما كما يجوزُ حذفُ الخبرِ الذي هو في الأصل، أم لا؟ هذا فيه خلاف عند النحاة.

أجازَ سيبويه حذفَ خبرِ إن مُطلقًا معرفةً كان أو نكرة، ومنَعَهُ الفراء مُطلقًا معرفةً كان أو نكرة، أجازه سيبويه مطلقًا، ومنعه الفراء مطلقًا.

إنّ محلًا وإن مُرتحلًا .. هذا الشاهد من بيت الشعر، إن محلًا: اسم إن، وإن مرتحلًا، مرتحلًا اسم إن، أين خبرُ (إن) في الموضعين؟ قالوا: محذوفٌ، والتقدير: إنّ لنا في الدنيا محلًا، أي: حلولًا، ولنا عنها إلى الآخرة ارتحالًا .. إنّ لنا في الدنيا محلًا، أي: حلولًا، وإن لنا عنها إلى الآخرة ارتحالًا، هذا التقدير، فحينئذٍ يكونُ المحذوف ظرفًا، إن لنا في الدنيا وعن الآخرة، هذان ظرفان فحُذِفَ المسند الذي هو ظَرفٌ قطعًا لقصدِ الاختصار، والعدولُ إلى أقوى الدليلين وهو العقلُ، ولضيق المقام أي: المحافظة على الشعر.

وهذا أحدُ الخلاف الذي ذكرناه أجازه سيبويه ومنعه الفراء، وإن كان أكثرُ النحاةِ على المنع.

وأما خبرُ كان ناقصة، فهذا يجوزُ على قُبحٍ عند النحاة .. يجوز لكنه قبيح، وقد يجوزُ الشيء مع حسنِهِ، وقد يجوزُ الشيء على قبحٍ، إن خيرٌ فخيرٌ، هذا يجوزُ فيها أربعة أوجه اقرأها كما شئت، والشاهد برفعهما: إن خيرٌ فخيرٌ .. إن خيرًا فخيرًا .. إن خيرٌ فخيرًا .. إن خيرًا فخيرٌ، وَجِّهُوها.

الشاهد الذي معنا: إن خيرٌ فخيرٌ، يجوز أربعة أوجه، اثنان مُتّحدان واثنان بالعكس.

إن خيرٌ فخيرٌ، إن كان في عملِهِ خيرٌ فجزاؤه خيرٌ هكذا قدَّرَه النحاة، إن خيرٌ .. خيرٌ هذه اسمُ كان المحذوفة، أينَ خبرُها؟ في عملِهِ، إن كان في عمله خيرٌ، انظر دائمًا يقدِّرون في المحذوف ظرف، ولعله أوسع يُتوسَّعُ فيه ما لا يُتوسَّعُ في غيره، فخيرٌ، خيرٌ هذا خبر مبتدأ محذوف، فجزاؤُه خيرٌ، إذن: حُذِفَ بعد إن خبر إن لنا محلًا وإن لنا ارتحالًا، ويُحذَفُ بعد (كان) الناقصة لكن على قبحٍ.

ومثلها باطرادٍ وهو قياسي بعد (لو) أو أداة الشرط، مثل ماذا؟ ذكرنا مثال .. (( وَإِنْ أَحَدٌ ) ) [التوبة:6] هنا حُذِفَ المسند، ولا يصِحُّ أن يكون الاسمُ تاليًا لأداة الشرط، لماذا؟ لأنّ أداةَ الشرط لا تلي، أو لا يليها إلا الفعل، هي مِن خصائص الفعل .. من علامات الأفعال، لا تدخُلُ إلا على الأفعال، هذا على الصحيح والمسألة خلافية، الصواب: أنه لا يجوزُ (( إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ ) ) [الانفطار:1] لا يصحُّ إعرابه مبتدأ، هذا الصحيح، وإنما هو فاعلٌ لفعلٍ محذوف: إذا انفطرت السماء، لأنّ التعليق هذا لا يصحّ أن يكون مبتدأ؛ لأن أدوات الشرط كلّها فيها تعليق، التعليق ذاك بشيء آخر، والأسماء ذوات ولا يصحُّ فيها التعليق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت