إذن نقول: قيَّدوا المسند فعلًا كان أو اسمًا يعمل عملَه؛ لما ذكرناه من الخصوصية، والقيدُ؛ ما هو القيد؟ كنحو: مفعولٍ في المفاعيل كلِّها، مفعول مطلق: ضربتُ زيدًا ضربًا شديدًا، ضربًا شديدًا نقولُ: هذا قيد، ازدادَ به الفعلُ قربًا وتمت به الفائدة أكثر من دون هذا القيد: ضربتُ ضربًا شديدًا، أو مفعول به: ضربتُ زيدًا، أو مفعولٍ فيه: ضربته يومَ الجمعة، أو أمامَك، ظرف زمان أو ظرف مكان، أو مفعولٌ معه: جلستُ والساريةَ، أو حال: جاء زيدٌ ضاحكًا .. جاء زيدٌ راكبًا، ليس هو كجاء زيدٌ فقط،"جاء زيد"فيه فائدة لا شك، لكن صفة المجيء لم تتبيَّن، فإذا قيده بالحال فقال: جاء زيدٌ راكبًا، بيَّنَ لنا صفة مجيء زيد، جاء زيدٌ راكبًا .. جاء زيدٌ ماشيًا، نقول: هذه بيّنت صفة زيد.
أو تمييز: طابَ محمدٌ نفسًا، طابَ محمد، طاب بماذا؟ نفسًا، إذن: هذا تمييز حصَلَ به تقييد للمسند وهو طاب.
أو استثناء: ما ضربتُ إلا زيدًا، حصلَ التقييد وهو حَصرُ الضربِ في زيد، وهذا لا شك أنه تقييد.
فإن هذه كلها مقيِّدات للمسند وتفاصيل له، لزيادة الفائدة ويزدادُ الحكم بها، يزدادُ الحكم بها قربًا، ويزدادُ الحكم بها فائدة، إذن: هذه المقيِّدات كلها تتعلَّقُ بالمسند لزيادة الفائدة.
وَقَيَّدوا كَالفِعْلِ: كان زيدٌ قائمًا، أو كُنت قائمًا، كان زيدٌ قائمًا، كان: فعلٌ ماضي، وزيدٌ: اسم كان، قائمًا: خبر كان، مجازًا يُسمّى اسمُ كان فاعلًا، وخبرها مفعولًا به، هل: كنتُ قائمًا، أو كان زيدٌ قائمًا مثل: ضربتُ زيدًا، حصلت الفائدة بالتقييد وزادت أم لا؟ قلنا: ضربتُ المسند الفعل هنا، لما بَيَّنَ المحل زيدًا مفعول به .. لما بيَّنه ازداد فائدةً وازداد قربًا وبعُدَ عن الاحتمال، هل مثلُهُ المفعول به مجازًا، وهو في باب كان وأخواتها؟ الجواب: لا، ليس منه: كان زيدٌ قائما:
ونحو: كنتَ قائمًا كان الذي قَيَّدتِ المنصوبَ لا العكسُ احتُذي
فضربتُ زيدًا، زيدًا قيّدَ الضرب، بكونه محلًا لوقوع هذا الحدث، إذن: عندنا مُسند، وعندنا قيّد وهو مفعولٌ به، المسند والقيد مُتغايران أم لا؟ هنا ضربتُ زيدًا، المسند ضربَ، والمفعول به قيده، هل حصَلَ تغاير بينهما؟ نقول: نعم، حصل التغاير بينهما، كان زيدٌ قائمًا، زيدٌ قائمٌ هذا هو الأصل، إذن: الإسناد دائِرٌ بين الاسم والخبر، لو قيل بكون قائمًا قيَّدَ المسند هل الشيء يقيّدُ نفسه؟ نقول: لا، قائمًا هو في نفسِه مسند؛ لأنه خبرٌ في الأصل، فكيف يقيّدُ الشيء نفسه؟! وإنما كان: ونحو: كنتُ قائمًا كان الذي قيدت المنصوب وليس العكس .. ليس قائمًا هو الذي قيّدَ الكينونة، لا العكس؛ لأن الإسناد دائرٌ بين المبتدأ في الأصل وخبره، فدخلتْ (كان) لتفيد اتصافَ الاسم بمضمون الخبر في الزمن الماضي.