ومثله: (( فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ) ) [الشورى:24] إن يشأ الله الإختام على قلبك، (( مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ) ) [الأنعام:39] ومَن يشأ الله إضلاله، يضلله دلَّ عليه.
وأكثرُ ما يقعُ ذلك بعد (لو) الشرطية؛ لأن مفعول المشيئة مذكورٌ في جوابها، وكذلك غيرها مِن أدوات الشرط، فيُحذَفُ المفعول مِن جميعِ ذلك ما لم يكن .. فيُحذَف المفعول مِن جميع ذلك، كل ما سبق يُحذَف، إلا إذا كان المفعولُ فيه غرابة، فحينئذٍ لا بأسَ مِن ذكره بل يُستحسَن ذكره: (( وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ ) ) [النحل:9] يعني: ولو شاء هدايتكم هذا لا غرابةَ فيه، ودلَّ عليه المذكور.
ما لم يكن تعلُّق فعلِ المشيئة به غريبًا فيجبُ ذكرُهُ ولا يُحذَف، وإن فُسِّر بعد ذلك، مثَّلوا له بقولهم:
ولو شئت أن أبكي دمًا لبكيتُهُ عليكَ ولكن ساحةُ الصبر أوسعُ
ولو شئتُ أن أبكي دمًا لبكيته، مثل: لهداه وهنا صرّحَ بالمفعول به.
ولو شئتُ أن أبكي دمًا، (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول به، ولو شئتُ بكاء الدم لبكيته، لو حذفه: لو شئتُ لبكيتُ، دلَّ عليه أو لا؟ دلَّ عليه نعم، لكن لما كان غريبًا فيه غرابة بكاء الدم، لماذا يبكي الدم هذا؟ حسرة، فحينئذٍ وَجَبَ ذكرُه ولو فُسِّر بما بعده.
ولو شئتُ أن أبكي دمًا لبكيتُهُ عليكَ ولكن ساحة الصبرِ أوسعُ
فذكرَ مفعول المشيئة وهو: أن أبكي دمًا، مع أنه حذفه وقال: لو شئت لبكيتُ دمًا لدلَّ المفسر على أن المراد: لو شئتُ بكاءَ الدمِ لبكيته؛ لأن تعلُّقَ فعل المشيئة ببكاء الدم غريب، فذكره ليتقرَّرَ في نفس السامع ويأنس به.
إذن الأصل في مفعول المشيئة الحذف للعلة التي ذكرها الناظم: البيان بعد الإبهام، إلا إذا كان غريبًا فيُذكَر، يعني: وجوبًا ولو دلَّ عليه ما بعده.
مِن بَعدِ إبهامٍ ولاختِصارِ ... كـ"بلَغِ المولَعَ بالأذكَارِ"
ولاختصارِ، يعني: يُحذَف المفعول لعلة الاختصار .. مجرّد الاختصار، طيب! كلّما سبَقَ فيه اختصار أو لا؟ فيه اختصار، (( وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ ) ) [يونس:25] حُذِفَ المفعول فيه اختصار، (( وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ ) ) [النحل:9] حذف المفعول فيه اختصار، إذن: لماذا نصَّ على الاختصار؟ الأولى مُركَّبة، هناك الأصل التعميم، والأصلُ الهجنة، والأصلُ الفاصلة، والأصلُ التفهيم من بعد الإبهام.
والاختصارُ تبعًا، وهنا الاختصار أصلًا، يعني: لا لفائدةٍ أخرى هناك وَقَعَ الاختصار تبعًا، الأصلُ الفائدة والنكتة، وهنا وَقَعَ حذفُ المفعولِ به لأجل الاختصار دون أي فائدة أخرى، ما يريد إلا أن يختصر، يعني؟؟؟ يجب المفعول به قال: ضرب زيدٌ، وسكت عن عمرًا، نفَسُهُ ضعيف.
ولاختصارِ، أي: للكلام من غير أن تُعتبر معه فائدة أخرى من تعميمٍ وغيره، لكن كما سبَقَ أنه لا بد من قرينة، هذا أمر عام ونحتاج إلى تنصيص.